

بقلم: جيهان فؤاد
ليست كل الأيام سواء في ذاكرة الأوطان. فهناك أيام تمر عابرة لا يلتفت إليها التاريخ كثيرًا، وأيام أخرى تتحول إلى محطات فاصلة تعيد رسم ملامح المستقبل، وتغير مسار الأحداث لأجيال قادمة. ومن بين تلك الأيام الخالدة في الوجدان المصري، يبرز الثالث من يوليو باعتباره أحد أهم المنعطفات في تاريخ مصر الحديث.
ففي تلك اللحظة الدقيقة من عمر الوطن، لم تكن مصر تواجه خلافًا سياسيًا عابرًا، ولا أزمة يمكن احتواؤها بالمسكنات المؤقتة، بل كانت تقف أمام اختبار وجودي حقيقي يتعلق بهويتها واستقرارها ومستقبل مؤسساتها الوطنية. كانت الدولة على مفترق طرق، وكانت المنطقة بأسرها تموج بالاضطرابات والانقسامات، فيما كانت خرائط دول عديدة تتصدع تحت وطأة الفوضى والصراعات.
وفي خضم تلك الظروف الاستثنائية، جاءت إرادة المصريين واضحة وقوية، معبرة عن تمسكهم بدولتهم الوطنية ورفضهم الانزلاق إلى المجهول. فجاء الثالث من يوليو ليترجم هذه الإرادة إلى واقع، معلنًا بداية مرحلة جديدة عنوانها إنقاذ الدولة واستعادة توازنها وحماية مؤسساتها من الانهيار.
لقد أثبتت الأحداث اللاحقة أن ما جرى في ذلك اليوم لم يكن مجرد تغيير سياسي، بل كان قرارًا تاريخيًا أنقذ مصر من مصير مجهول كانت قد سقطت فيه دول أخرى بالمنطقة. فبينما غرقت بعض الدول في دوامات الفوضى والاقتتال والتفكك، استطاعت مصر أن تحافظ على وحدتها الوطنية، وأن تصون مؤسساتها، وأن تبدأ رحلة شاقة لإعادة بناء الدولة من جديد.
ومن الإنصاف أن نقول إن ثمار ذلك القرار لم تظهر بين ليلة وضحاها، بل جاءت نتيجة سنوات من العمل المتواصل والتضحيات الجسيمة. فقد خاضت الدولة معارك شرسة ضد الإرهاب، وواجهت تحديات اقتصادية هائلة، وتحملت أعباء إصلاحات صعبة، لكنها كانت ضرورية لضمان بقاء الدولة قوية وقادرة على أداء دورها.
ولعل ما يميز التجربة المصرية أنها لم تتوقف عند حدود استعادة الاستقرار، بل انطلقت نحو البناء والتنمية. فشهدت البلاد طفرة غير مسبوقة في مشروعات البنية الأساسية، وشبكات الطرق، والمدن الجديدة، والطاقة، والاستثمار، وتطوير الخدمات، في مشهد يؤكد أن حماية الدولة لم تكن هدفًا في حد ذاته، وإنما كانت الخطوة الأولى نحو بناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
إن الثالث من يوليو لم يكن انتصارًا لفئة على أخرى، ولا مناسبة للاحتفاء بحدث سياسي فحسب، بل كان انتصارًا لفكرة الدولة الوطنية ذاتها؛ الدولة التي تحتضن جميع أبنائها، وتحمي حدودها، وتصون مقدرات شعبها، وتوفر البيئة الآمنة التي تسمح بالتنمية والتقدم.
واليوم، وبعد سنوات من ذلك الحدث التاريخي، تبدو الصورة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. فقد أثبتت الوقائع أن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تملكه من إمكانات، بل بقدرتها على التماسك في أوقات الأزمات، وبوعي شعوبها حين تصبح مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
ويبقى الثالث من يوليو شاهدًا على لحظة نادرة التقت فيها إرادة الشعب مع مسؤولية الدولة، فكان الناتج إنقاذ وطنٍ عريق من عاصفة كانت كفيلة بتغيير وجه المنطقة بأسرها. وسيظل هذا اليوم صفحة مضيئة في سجل مصر الحديث، تذكر الأجيال بأن الأوطان لا تُحفظ بالصدفة، وإنما تُصان بالوعي والإرادة والتضحية، وأن الشعوب العظيمة تعرف دائمًا كيف تنتصر لوطنها حين تحين اللحظة الفاصلة





