تقارير

الوكالة الذرية تضع البرنامج النووي الروسي تحت المجهر.. إشادة بكفاءة الرقابة وتحذير من تحديات التوسع

 

 

فيينا – دعاء أبوسعدة

اختتمت الوكالة الدولية للطاقة الذرية مراجعة موسعة لمنظومة الرقابة النووية والإشعاعية في روسيا، انتهت إلى الإشادة بكفاءتها واستقلاليتها، مع تحديد ثغرات تنظيمية تستدعي المعالجة لمواكبة الطموحات النووية المتسارعة لموسكو.

وجاءت نتائج المراجعة عقب مهمة دولية استمرت 13 يوم، خلال الفترة من 25 أكتوبر إلى 6 نوفمبر الجاري، بناء على طلب الحكومة الروسية، وبمشاركة 21 خبير تنظيمي من 17 دولة عضو بالوكالة، إلى جانب ثلاثة من موظفيها ومراقبين اثنين، لتقييم مدى توافق الإطار التشريعي والرقابي الروسي مع معايير السلامة الدولية.

رقابة قوية أمام طموحات نووية متسارعة

وخلص فريق خدمة المراجعة التنظيمية المتكاملة (IRRS) إلى أن الهيئة الفيدرالية الروسية للإشراف البيئي والصناعي والنووي «روستكنادزور» تتمتع بكفاءة مؤسسية وخبرة فنية واسعة، ونظم رقابية متطورة، وثقافة راسخة للسلامة، مشير إلى التقدم الذي أحرزته روسيا منذ المراجعة السابقة عام 2009 ومهمة المتابعة عام 2013.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ضوء اتساع البرنامج النووي الروسي، الذي ساهم بنحو 18.7% من إنتاج الكهرباء عام 2025، بينما تستهدف موسكو رفع هذه النسبة إلى 25% بحلول عام 2045، بالتوازي مع تطوير مفاعلات النيوترونات السريعة والمفاعلات المعيارية الصغيرة والمحطات النووية العائمة.

ولم تقتصر المراجعة على الوثائق والتشريعات، بل امتدت إلى المعاينة الميدانية لمحطات الطاقة النووية ومرافق الوقود والأبحاث وإدارة النفايات المشعة والمنشآت الطبية، فضلا عن تقييم الاستعداد للطوارئ والحماية من التعرض الإشعاعي.

الكوادر البشرية.. التحدي الذي يسبق التكنولوجيا

ورغم التقييم الإيجابي، كشفت المراجعة عن تحديات تتعلق بتنسيق الاختصاصات بين الجهات الرقابية، وتحديث خطط الموارد البشرية، وتطوير نظم الإدارة المتكاملة، وإرساء برامج أكثر شمول لتأهيل المفتشين، بما يضمن قدرتهم على التعامل مع المخاطر الفنية والبشرية والتنظيمية المرتبطة بالتقنيات النووية الحديثة.

وأشاد الخبراء بالنهج الروسي في تحديث التشريعات، واستقطاب الشباب للعمل الرقابي، وتطوير تصنيف السلامة داخل مرافق دورة الوقود النووي، مع التأكيد على أن التوسع التكنولوجي يستلزم تطوير مؤسسي لا يقل سرعة عن الابتكار الصناعي.

وأكد فيضان منصور، رئيس فريق المراجعة ومستشار الحكومة الباكستانية، أن النتائج تعكس إدراك روسيا لأولوية السلامة النووية على أعلى المستويات الحكومية، معتبرا أن تنفيذ التوصيات سيعزز فعالية منظومة الحماية النووية والإشعاعية.

من جانبها، رأت كارين هيرفيو، نائبة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية ورئيسة إدارة السلامة والأمن النوويين، أن المهمة تعكس التزام روسيا بتطوير بنيتها الرقابية، مشيدة بمشاركتها في المبادرات الدولية وصياغة معايير السلامة النووية.

أما ألكسندر تريمبيتسكي، رئيس هيئة «روستكنادزور»، فأكد أن بلاده طلبت المراجعة لضمان تقييم دولي محايد، مشددا على أن الثقة في التقنيات النووية الروسية ترتبط ارتباط وثيق بمصداقية الجهة المسؤولة عن الرقابة عليها، وأن كل توصية تمثل فرصة لتعزيز الأداء.

اختبار يتجاوز الحدود الروسية

وتحمل نتائج المهمة دلالات تتجاوز الإطار الوطني، في ظل الحضور الدولي للتكنولوجيا النووية الروسية وتعاون موسكو مع دول تسعى إلى تطوير برامجها النووية السلمية،

 إذ تصبح كفاءة الرقابة عنصر أساسي في بناء الثقة الدولية، وليس مجرد إجراء تنظيمي داخلي.

ومن المقرر إحالة التقرير النهائي، متضمنا التوصيات والمقترحات، إلى الحكومة الروسية.

وبين الإشادة الدولية ومطالب التطوير، تضع هذه المراجعة قضية جوهرية في صدارة مستقبل الطاقة النووية

فالتقدم الحقيقي لا يقاس فقط بقدرة الدول على بناء مفاعلات أكثر تطور، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات رقابية تسبق المخاطر، وتضمن ألا تتقدم التكنولوجيا خطوة واحدة على حساب سلامة الإنسان والبيئة

زر الذهاب إلى الأعلى