

لواء دكتور/ سمير فرج
أيا كان ما سيتم تنفيذه من إعلان إسلام أباد لتحقيق وقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران لمدة ستين يومًا، وفتح مضيق هرمز للملاحة العالمية أم لا، فأعتقد أنه كان من الواجب أن نحلل من المستفيد ومن الخاسر من إعلان إسلام أباد، هذا الإعلان التاريخي.
والحق يُقال إن أول المستفيدين هم دول العالم أجمع، حيث سيتم فتح مضيق هرمز، وسيبدأ تدفق 20% من نفط العالم مرة أخرى، إلى جانب 30% من الأسمدة، وبالطبع هذا القرار سيسعد كافة دول العالم، حيث ستنخفض أسعار النفط والغذاء، وسيقل التضخم وتنخفض الأسعار في مختلف دول العالم.
وثاني الدول التي سيسعدها إعلان إسلام أباد هي دول الخليج، ومعها مصر والأردن وتركيا، وهم الرؤساء الذين اتصل بهم الرئيس الأمريكي لتوضيح معنى وبنود الاتفاق التاريخي، خاصة أن هذه الحرب أثرت على هذه الدول اقتصاديًا بشكل كبير.
ويأتي بعد ذلك من الدول المستفيدة إيران، وذلك لأسباب عديدة، أولها أنها تجنبت أي ضربات عسكرية أمريكية قادمة كان من الممكن أن تؤثر تأثيرًا كبيرًا على البنية التحتية الإيرانية، وقد تحتاج لإصلاحها سنوات طويلة وتكاليف باهظة. كذلك استعادت إيران جزءًا كبيرًا من قدرتها على تصدير النفط، والبالغ مليونًا ونصف المليون برميل يوميًا، بما قيمته 500 مليون دولار يوميًا، خاصة أن إيران سيتاح لها بيع النفط بالأسعار العالمية الجديدة، وليس بالأسعار المنخفضة التي كانت مضطرة للبيع بها خلال فترة العقوبات.
كما أن هناك فكًا لجزء من الودائع الإيرانية المجمدة بالخارج، والتي ستستخدمها إيران في إعادة إصلاح ما دمرته الحرب، ودعم الاقتصاد الإيراني الذي كان يعاني من التضخم والبطالة وارتفاع الأسعار. كما أن رفع القيود المفروضة على إيران سيتيح لها استيراد الأصناف والبضائع وقطع الغيار التي كانت محرومة منها خلال فترة الحظر. ويكفي أن نقول إن شركة الطيران الإيرانية كانت تمتلك العديد من طائرات البوينج، وكانت معظم هذه الطائرات متوقفة بسبب نقص قطع الغيار، والآن ستتمكن من إعادة تشغيلها، وهذا المثال ينطبق على معظم الشركات والمصانع الإيرانية، لذلك فإن الحياة ستعود تدريجيًا إلى إيران.
أما الولايات المتحدة الأمريكية، فأعتقد أنها أيضًا من أكبر المستفيدين من هذا الإعلان، ولعل أهم المكاسب هو انخفاض أسعار البنزين وتذاكر الطائرات للمواطن الأمريكي، خاصة مع بدء بطولة العالم في أمريكا دون أزمات اقتصادية. كما سيمنح ذلك الرئيس الأمريكي فرصة أفضل قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وسيجنبه اللجوء إلى الكونغرس لطلب ميزانيات إضافية لاستمرار الحرب، وهو الأمر الذي قد يواجه رفضًا من الديمقراطيين في الكونغرس ومجلس الشيوخ.
أما المكسب الأكبر لأمريكا فهو أنها ستظهر أمام شعبها وأمام العالم أنها حققت هدفها من الحرب، وهو منع إيران من الحصول على السلاح النووي.
وعندما نتحدث عن الخاسرين، فيجب أولًا أن نذكر أن إيران خسرت علاقاتها مع دول الخليج، حيث توترت العلاقات التي كانت تتمتع بها مع هذه الدول، خاصة اقتصاديًا، وأعتقد أن هذه الحرب ستترك عزلة كبيرة بين إيران ودول الخليج، وربما تحتاج لعقود طويلة حتى تعود العلاقات كما كانت.
أما الخاسر الأكبر من هذه الحرب فهي إسرائيل، التي كانت تأمل استمرار الحرب لأطول فترة ممكنة حتى موعد الانتخابات، لأن وقف القتال والسلام يعني خسارة حزب الليكود ونتنياهو لموقعهما في الحكومة القادمة، وبالتالي قد يواجه نتنياهو المحاكمة في قضايا الفساد، إضافة إلى التساؤلات حول فشله في الحروب السابقة.
كما تأتي خسارة إسرائيل من وقف الحرب على حزب الله في جنوب لبنان، وهو الأمر الذي استغلته إسرائيل خلال الفترة الماضية لتدمير البنية الأساسية في الجنوب اللبناني واستهداف عناصر حزب الله. كذلك فإن السلام مع إيران يُعد اعترافًا بفشل إسرائيل في إسقاط أو تغيير النظام الإيراني، فما زال الحرس الثوري يدير المشهد داخل البلاد، وما زال النظام الإيراني قائمًا بنفس أفكاره السابقة، وبالتالي ستظل إيران هي العدو الرئيسي لإسرائيل في المستقبل.
ومن الخاسرين أيضًا الصين، التي كانت تستورد 80% من احتياجاتها النفطية من إيران بأسعار منخفضة للغاية، حيث كانت تحصل على النفط الإيراني بأسعار مخفضة بسبب العقوبات، أما الآن فستضطر لشراء النفط بالسعر العالمي.
أما روسيا، فنجد أنها كانت من أكبر المستفيدين منذ بدء الحرب، حيث أدى توقف ضخ 20% من النفط العالمي بسبب إغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وهو ما كان مفيدًا لروسيا باعتبارها من أكبر الدول المصدرة للغاز في العالم. كما أن عودة أوروبا لشراء الغاز الروسي بأسعار مرتفعة منح روسيا مكاسب اقتصادية ضخمة عوضت خسائر السنوات الماضية.
ومن أهم مكاسب إيران بعد الاتفاق هو الإعلان عن فك الودائع الإيرانية المجمدة بالخارج، والتي تصل إلى 150 مليار دولار، حيث ستبدأ إيران في استخدامها لإعادة بناء قواتها المسلحة التي تضررت خلال الحرب، ولا شك أن أسواق السلاح الروسية والصينية ستكون جاهزة لإمداد إيران بما تحتاجه من أسلحة طالما توفرت الأموال
وعلى أي حال، فإن هناك مكاسب وخسائر بعد هذا الإعلان، لكن سيظل المكسب الأكبر للعالم كله هو مكسب الإنسانية، التي ستعيش في سلام بعيدًا عن الدمار والحروب في هذه المنطقة، وهو المكسب الحقيقي لإعلان إسلام أباد لوقف القتال.
Email: [email protected]




