آراء ومقالات

هنا القاهرة.. شارع الفن بتعمليها ازاي يا مصر!

بقلم: ميرفت قاسم

الخميس والجمعة والسبت من كل أسبوع موعدكم مع حدث فني يليق بعظمة وتراث مصر الثقافي، في وسط البلد (مثلث البورصة وشارع الشريفين).

القاهرة الخديوية لو اتمشيت فيها وأكلت آيس كريم أو شربت عصير قصب هتكون مبسوط، لو دخلت كافيه خارج منه صوت من الماضي العريق والزمن الجميل تلاقي حليم بيغرد هترجع للزمن الجميل، لو مشيت في الشوارع هتلاقي مكتبات سور الأزبكية بأسماء الأدباء والعباقرة المصريين.. وسط البلد يعني!

مقالات ذات صلة

جروبي، فنجان قهوة، صوت أم كلثوم..

قهوة ريش التي تم تأسيسها سنة ١٩٠٨، كان يجلس عليها كبار الأدباء والمثقفين: نجيب محفوظ، يوسف إدريس، أمل دنقل، صلاح جاهين. المقهى كان مقر ندوات نجيب محفوظ كل جمعة، وكان يضم مثقفين من الطبقة الوسطى للمناقشة في الشأن السياسي، كما كان لها دور شهير في ثورة ١٩١٩، وفي بهو القهوة ده قدم عزيز عيد فصولاً من مسرحياته وكانت البطولة لـ زوزو يوسف.

وسط البلد يعني جروبي..

أول صانع آيس كريم في مصر، وميل فوي، وإكلير، ومارون جلاسيه، وبول دي شوكولاه، وأم علي. كان جروبي ملتقى الأدباء والمثقفين وصفوة المجتمع ورجال الأعمال والعائلات الأرستقراطية ورجال السياسة، كانت النساء يذهبن إليه في الحفلات بفساتين السهرة والفرو. العاملون في جروبي لسه محافظين على الزي الكلاسيكي الأنيق لدرجة أنك تشعر بوجودك في الستينيات. جروبي تم تصوير واحد من أجمل الأفلام الرومانسية في تاريخ السينما المصرية به وهو فيلم “يوم من عمري”، وكمان فيلم “العتبة الخضراء” و”حلاق السيدات”.

مؤخراً انطلقت مبادرة لإحياء زمن الفن الجميل؛ حفلات، أغاني، ندوات شعر، فنون شعبية، وأراجوز، ورسم. نحن بلد أم كلثوم والعندليب وعبد الوهاب، بلد الفن الأصيل، أكيد الاحتفالية دي هتخرج لنا مواهب.

تعرفوا أن أول مغني في العالم العربي هو المغني المصري عبده الحامولي؟ وهو أول مطرب مصري عربي يتسجل صوته على أسطوانات. والعندليب عبد الحليم حافظ كان أول مطرب مصري تمت سرقة أغانيه وغناؤها بلغات تانية زي “أهواك” اللي سمعناها مؤخراً باللغة الهندية، وكمان أغنية “سواح”. غير العملاقة أم كلثوم التي تم وضع اسمها ضمن أفضل ٢٠٠ مطرب في التاريخ.

شارع الفن هتلاقي فيه كل ما تتمنى..

فنون بصرية: صندوق الدنيا الذي كان نافذة على العالم، كان أجمل فسحة في الزمن الجميل لما تسرح بخيالك وأنت مركز بعينك على صور متحركة في صندوق خشب بتشوف الدنيا من خلفه، بتشوف عنترة بن شداد، أبو زيد الهلالي، وغيرها من قصص التراث الشعبي.

هتلاقي كمان عروض أدبية ومسرحية، شعر وأراجوز. الأراجوز وهو فن العرائس والدي أدرجته منظمة اليونسكو عام ٢٠١٨ ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي. الأراجوز تلك الدمية القفازية التي تتحرك باليد ذات الرأس الخشبي والعيون الواسعة والطرطور الأحمر، كان له دور مهم جداً في المجتمع المصري، حتى أن السينما خلدت دوره في واحد من أعظم أفلام السينما المصرية وهو فيلم “الزوجة الثانية”؛ لما فاطمة سمعت نصيحة الأراجوز واتجوزت العمدة ومقدرش يغلبها، وفيلم “لقاء في الغروب” لرشدي أباظة ومريم فخر الدين، وكان الأراجوز موجوداً في المصيف أمام الشاطئ، يعني فن بسيط منتشر في المجتمع المصري في الريف كما ظهر في “الزوجة الثانية” أو في المدينة كما ظهر في “لقاء في الغروب”. صوت الأراجوز مميز جداً لأنه بيخرج من آلة نحاسية (زمارة). أشهر فناني الأراجوز كانوا مصريين، هناك الفنان مصطفى عثمان (عم صابر المصري)، والمونولوجست محمود شكوكو، واللاعب حسن خنوفة. من أشهر أماكن عروض الأراجوز في مصر: شارع المعز، وبيت العيني خلف الجامع الأزهر.

جميل جداً إننا نحتفظ بالتراث ونعيد إحياء كل تراثنا الثقافي ونحتفظ بالهوية المصرية.

شارع الفن أيضاً بيقدم فنون أداء شعبي مثل التنورة، وهي رقصة تراثية أصلها صوفي عبارة عن حركات دائرية عكس عقارب الساعة، وخلال الرقص يفك التنورة ويرفعها، والرقص بيكون على أنغام مزمار وربابة وطبلة وطار. دخلت التنورة مصر مع العصر العثماني وأعاد المصريون صياغتها لتناسب الهوية المصرية، وتحولت من طقس عبادة يمارسه الدراويش داخل التكايا الصوفية إلى استعراض شعبي مبهج.

هناك أيضاً رقص فلاحي، وأوبرا، وعزف، وغناء شرقي. أما عن الأوبرا فلا ننسى دار الأوبرا الخديوية التي أمر الخديوي إسماعيل بإنشائها ١٨٦٩ احتفالاً بافتتاح قناة السويس. أما عن أهم عروض دار الأوبرا فهي “أوبرا عايدة” للموسيقار فيردي، وكانت لتخليد التاريخ المصري القديم، غير فيلم “أوبرا عايدة” الذي تم تصويره في دار الأوبرا القديمة قبل حرقها. أما عن دار الأوبرا الحديثة فقد صُوِّر بها مشهد تكريم شفيقة في فيلم “تيمور وشفيقة”، وغنى حليم بها أغنية “حكاية شعب”، وغنى بها أيضاً في فيلم “حكاية حب” (في يوم في شهر في سنة).

شارع الفن كمان بيعطي فرصة لكل صاحب موهبة في الرسم إنه يظهر إبداعاته، سواء كان رسماً تجريدياً لتمثيل الواقع، أو سريالياً لدمج الواقع٨ بالخيال، أو واقعياً لمحاكاة الطبيعة. وعايزين دايماً نفتكر إن عندنا فن الرسم من أيام الفراعنة، وجدران المعابد خير شاهد على إبداع الإنسان المصري اللي قدر يرسم ويخط الحياة اليومية على جدران المعابد بألوان لا زالت زاهية حتى عصرنا الحالي. نحن كمان عندنا مدرسة الفنون الجميلة التي افتتحت ١٩٠٨ بالقاهرة، أما عن أشهر رسامي مصر نجد محمود سعيد رائد التصوير المصري الحديث، وأحمد صبري رائد فن رسم الأشخاص، وتحية حليم، وجاذبية سري.

مصر بلد الفن والتاريخ والثقافة والفنون.

وهذه بعض الأقوال المأثورة التي تؤكد أن مصر بلد الفن والثقافة والإبداع:

قال جمال حمدان (المفكر والجغرافي): “مصر قلب العالم العربي، وهي البلد الوحيد الذي له تاريخ، بينما باقي الدول لها جغرافيا”.

طه حسين (عميد الأدب العربي): “مصر لم تكن يوماً بمعزل عن العالم اليوناني والروماني، بل كانت دائماً ملتقى للحضارات وموئلاً للفنون والآداب”.

نابليون بونابرت (قائد الحملة الفرنسية): “لو كانت نساء العالم كلهن مثل نساء مصر لتمنيت أن أكون مصرياً، ولو كانت مصر بلا فن لكانت بلا تاريخ”.

أندريه مالرو (وزير الثقافة الفرنسي الأسبق): “إن مصر التي علّمت الإنسانية الفن والحرف، هي وحدها القادرة على حماية تراثها الإنساني العظيم”.

أحمد شوقي (أمير الشعراء):

وَمَصرُ نَقيعُ المَاءِ عذبٌ سَلْسَلٌ … وَكَيفَ يَنسى مَصرَ مَن يَرِدُ المَاءَ؟ 

مكانة مصر الثقافية جاءت من عمقها التاريخي وإسهاماتها المتميزة في الفنون والثقافة.

زر الذهاب إلى الأعلى