

بقلم: د. جيهان فؤاد شاهين
أكتب إليك من المستقبل، بعد سنوات طويلة من الآن. لا أعرف كم سيكون عمرك حين تصلك رسالتي، لكنني أعرف شيئًا واحدًا: أنك ستكون قد أدركت حقائق كثيرة لم تكن تراها بوضوح وأنت تركض في سباق الأيام.
أكتب إليك لأخبرك أن كثيرًا مما يشغلك الآن لن يكون مهمًا كما تظن.
ذلك الخلاف الذي استنزف أعصابك وأيامك، ستتعجب يومًا كيف منحته كل هذا الحجم. وتلك الكلمات الجارحة التي حملتها في قلبك سنوات، ستكتشف أنها لم تكن تستحق كل هذا الألم. أما الأشخاص الذين سعيت جاهدًا لإرضائهم على حساب نفسك، فبعضهم سيرحل من حياتك دون أن يلتفت إلى ما قدمته من أجله.
أكتب إليك لأخبرك أن الوقت أغلى مما تتخيل.
كنت تظن أن لديك متسعًا من العمر لتؤجل أحلامك، ولتقول الكلمات الجميلة لاحقًا، ولتزور من تحبهم في وقت آخر، ولتسامح عندما تهدأ، ولتستمتع بالحياة عندما تنتهي من مسؤولياتك. لكن الحقيقة التي تعلمتها متأخرًا هي أن الحياة لا تنتظر أحدًا، وأن كلمة “لاحقًا” سرقت من الناس أجمل لحظاتهم.
في المستقبل الذي أكتب منه الآن، رأيت كثيرين امتلكوا المال وفقدوا الصحة، وامتلكوا الشهرة وفقدوا الطمأنينة، وامتلكوا النفوذ وفقدوا المحبة. ورأيت آخرين لم يملكوا إلا القليل، لكنهم عاشوا أغنياء بما لديهم من رضا ودفء أسري وعلاقات صادقة.
لذلك لا تجعل حياتك كلها سباقًا نحو أشياء قد تكتشف يومًا أنها لم تكن هي الهدف الحقيقي.
تعلم أن تمنح وقتًا لمن تحب.
اجلس مع والديك أكثر. استمع إلى حكاياتهما التي تكررها الأيام. احتفظ بصوتهما في ذاكرتك. ستأتي لحظة تتمنى فيها سماع تلك التفاصيل مرة أخرى فلا تستطيع.
احتضن أبناءك وأحفادك إن كانوا حولك. لا تظن أن الحب مفهوم ضمنًا دائمًا. عبّر عنه. قل الكلمات التي يؤجلها الكثيرون حتى يفوت الأوان.
ولا تجعل التكنولوجيا تسرق منك الحياة الحقيقية.
في زمنك أصبحت الشاشات نافذة العالم، لكنها تحولت أحيانًا إلى جدار يفصل الإنسان عن نفسه وعن الآخرين. رأيت أناسًا يجلسون معًا لكن كل واحد منهم يعيش في عالم مختلف خلف شاشة صغيرة. كانوا يوثقون الحياة أكثر مما يعيشونها.
وأريد أن أحدثك عن شيء آخر.
لا تُهدر عمرك في مقارنة نفسك بالآخرين.
في المستقبل اكتشفت أن لكل إنسان طريقه الخاص، وأن المقارنات كانت واحدة من أكبر سارقي السعادة. كنت تنظر إلى نجاح غيرك فتشعر أن ما حققته قليل، بينما كان هناك من ينظر إلى حياتك ويتمنى جزءًا مما لديك.
لقد كنت تمتلك نعمًا كثيرة دون أن تنتبه إليها.
الصحة التي اعتبرتها أمرًا عاديًا.
الأصدقاء الذين ظننت أنهم سيبقون دائمًا.
القدرة على الحركة والعمل والسفر.
اللحظات البسيطة التي مرت دون أن تدرك قيمتها.
حتى الأيام العادية التي كنت تشتكي من رتابتها، ستكتشف لاحقًا أنها كانت من أجمل ما عشته.
ومن أهم ما تعلمته أن النجاح ليس كما صوره العالم لك.
النجاح ليس فقط منصبًا كبيرًا أو حسابًا مصرفيًا ضخمًا أو شهرة واسعة. النجاح الحقيقي أن تنام مرتاح الضمير، وأن تجد من يحبك بصدق، وأن تشعر أن وجودك ترك أثرًا طيبًا في حياة الآخرين.
في المستقبل لا يتذكر الناس كم ربحت، بل كيف عاملتهم.
لا يتذكرون حجم بيتك، بل حجم قلبك.
لا يتذكرون عدد متابعيك، بل عدد الذين دعوا لك من قلوبهم.
ولا يتذكرون ما امتلكته، بل ما منحته.
لذلك أرجوك…
لا تؤجل الفرح.
لا تؤجل السفر الذي تحلم به.
لا تؤجل كلمة الاعتذار.
لا تؤجل المصالحة.
لا تؤجل الشكر.
لا تؤجل التعبير عن الحب.
ولا تؤجل الحياة نفسها.
واعلم أن أجمل ما سيبقى منك في النهاية ليس ما جمعته من أموال، بل ما زرعته من خير، وما نشرته من رحمة، وما تركته من أثر في القلوب.
هذه ليست رسالة من المستقبل فحسب، بل خلاصة أعمار عاشها كثيرون قبلك. وقد تعلموا بعد سنوات طويلة أن العمر لا يقاس بعدد السنين، بل بعدد اللحظات التي عشناها بصدق، وعدد القلوب التي لمسناها بمحبة، وعدد الآثار الجميلة التي تركناها خلفنا.
فإن أردت نصيحة أخيرة من إنسان عرف ما لم تكن تعرفه بعد، فهي:
عِش يومك بوعي، وأحب من حولك بصدق، واصنع أثرًا طيبًا ما استطعت، فالمستقبل الذي تخشاه اليوم سيصبح يومًا ماضيًا تنظر إليه وتتمنى لو أنك عشت بعض لحظاته بصورة أجمل
لكن ماذا لو وصلت هذه الرسالة فعلًا إلى إنسان اليوم؟
هل سيستمع إليها؟ أم سيواصل الركض كما اعتاد؟
وهل سيغيّر شيئًا من أولوياته، أم سيؤجل ذلك إلى وقت آخر؟
أسئلة كثيرة يجيب عنها مقالنا القادم: “ردّ إنسان اليوم على رسالة المستقبل”، حيث يلتقي صوت الحكمة القادمة من الغد بصوت الواقع الذي نعيشه اليوم







