آراء ومقالات

جيهان شاهين تكتب الخسائر التي لا تعوضها الأموال

بقلم د.  جيهان فؤاد شاهين

في هذه الحياة نتعلم أن لكل شيء ثمنًا… إلا أن هناك أشياء لا تُشترى مهما امتلك الإنسان من مال، ولا تُستعاد مهما حاول الزمن أن يمنحنا فرصًا جديدة.

قد يستطيع الإنسان أن يعوض منزلًا فقده، أو مالًا خسره، أو ممتلكات ضاعت منه، لكنه يقف عاجزًا أمام خسائر أخرى لا تُقاس بالقيمة المادية، لأنها ترتبط بالروح والذاكرة والقلب.

هناك خسائر لا تعوضها الأموال.

أولها خسارة الإنسان الذي كان سندًا حقيقيًا في حياتنا. فبعض الأشخاص لا يكونون مجرد حضور عابر، بل يكونون وطنًا صغيرًا نشعر معه بالأمان. وحين يرحلون، لا نعاني فقط من غيابهم، بل من الفراغ الذي تركوه في تفاصيل أيامنا.

وقد نكتشف بعد فوات الأوان أن بعض البشر كانوا نعمة لم ندرك قيمتها إلا حين أصبح الوصول إليهم مستحيلًا.

ومن أكبر الخسائر التي لا تعوضها الأموال: فقدان الثقة.

فالمال يمكن أن يعيد بناء ما تهدم من جدران، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يعيد قلبًا فقد شعوره بالأمان. عندما تُكسر الثقة، لا ينكسر موقف عابر، بل ينكسر شيء عميق داخل الإنسان، وقد يحتاج سنوات طويلة ليستعيد قدرته على الاطمئنان.

وهناك خسارة أخرى أكثر هدوءًا لكنها أشد ألمًا: ضياع الوقت.

فالإنسان يستطيع أن يكسب المال بعد خسارته، لكنه لا يستطيع أن يستعيد لحظة مضت، أو عمرًا انقضى، أو فرصة أهدرها، أو كلمة جميلة تأخر في قولها حتى أصبح أوانها منتهيًا.

كم من إنسان أدرك متأخرًا أن انشغاله بجمع الأشياء جعله يفقد أجمل ما كان يملكه: لحظات مع من يحب، أو سنوات كان يمكن أن يعيشها بقلب أكثر راحة وطمأنينة.

ومن الخسائر التي لا تُقدّر بثمن أيضًا: فقدان الإنسان لذاته.

حين ينجح في إرضاء الجميع لكنه يبتعد عن نفسه، حين يتخلى عن مبادئه من أجل مكسب، أو يضحي براحة قلبه من أجل صورة يراها الآخرون. فالإنسان قد يربح العالم كله، لكنه إذا خسر سلامه الداخلي فقد خسر أغلى ما يملك.

إن المال يستطيع أن يشتري العلاج، لكنه لا يشتري الصحة دائمًا. يستطيع أن يشتري منزلًا، لكنه لا يشتري دفء البيت. يستطيع أن يشتري الهدايا، لكنه لا يشتري الحب الصادق. يستطيع أن يشتري الوقت أحيانًا، لكنه لا يستطيع أن يعيد الزمن.

ولهذا فإن أعظم ثروات الإنسان ليست فيما يملكه، بل فيما يحافظ عليه.

أن يحافظ على القلوب التي أحبته، وعلى الأشخاص الذين وقفوا بجانبه، وعلى القيم التي جعلته إنسانًا، وعلى اللحظات التي لن تتكرر.

فبعض الخسائر لا تحتاج إلى حسابات مالية، لأنها تُقاس بمقدار الفراغ الذي تتركه في الروح.

وفي النهاية، قد يصبح الإنسان غنيًا بكل ما يملك، لكنه يظل فقيرًا إذا فقد الأشياء التي لا تُشترى.

لأن أغلى ما في الحياة…

ليس ما نمتلكه، بل ما لا نستطيع استعادته حين نفقده

زر الذهاب إلى الأعلى