آراء ومقالات

أشتات في اللغة والأدب

بقلم: د. يسري عبدالعال

أقدم لك -عزيزي القارئ- في هذه الزاوية متفرقات أدبية ولغوية، بعضها يتعلق بأصول دلالات بعض العبارات، أو تصويبات لغوية لأخطاء تشيع على الألسنة.
• حُبًّا وكرامة: هذه العبارة يقولها الشخص قاصدا معنى: بكلّ سرور وطيب خاطر، أو تقال للضيف مرحبا به، لكن هل تعلم -عزيزي القارئ- أن هذه العبارة أصل دلالتها: الجرة وغطاؤها، أو بالعامية (الزير بغطاه)، وهي كناية عن الإكرام الشديد، حيث إن من معاني كلمة (حُب) في المعاجم (الجرة الكبيرة) التي يحفظ فيها أهل البادية الماء, وهو أغلى ما يعتزون به ويحرصون عليه؛ لندرته في الصحراء، أما كلمة (كرامة) فمن معانيها (غطاء الجرة)، فكأن المعنى العام الذي كان أهل البادية يقصدونه بقولهم: (حبا وكرامة), هو: نعطيك الجرة بما فيها من ماء وما عليها من غطاء, لتشرب منها حتى ترتوي، وهكذا تكون عبارة (حبا وكرامة), وإن كان معناها اللغوي الحرفي: الجرة وغطاؤها, إلا أنها كناية لطيفة عن الترحيب والمحبة والكرم الغامر، وكثر استعمالها بهذا المعنى حتى تنوسي أصل الدلالة، ومن باب التوافق اللغوي أن كلمتي (الحب والكرامة) تعنيان كذلك المودة والجودة, فكأن القائل يقصد أفعل ذلك من باب الحب والإكرام لك عن طيب خاطر.
• كل يغني على ليلاه: ليلى هي رمز لكل محبوب سواء كان رجلا أو امرأة، وكل أمر يهم الإنسان، بل بلغ الأمر أن رمز بليلى إلى الجماد، وحكي مصطفى صادق الرافعي في كتابه “تحت راية القرآن” قصة طريفة عن أحد شعراء المدينة يقول بيتين من الشعر الرقيق العفيف في حب ليلى أمام عبدالملك بن مروان، فرق له عبد الملك وأخذته هذه الشخصية العاشقة المحترقة، فقال من ليلى هذه؟ إن كانت حرة زوجتك لها! وإن كانت أَمَة أشتريتها لك بالغة ما بلغت، قال الشاعر: كلا يا أمير المؤمنين، ما ليلى التي أنسب بها إلا قوسي هذه، سميتها ليلى؛ لأن الشاعر لا بد له من النسيب! وعلق الرافعي بشاهد شعري:
كل يغني على ليلاهُ متخذًا. . . ليلى من الناس أو ليلى من الخشب!
والنسيب ذكر جمال النساء وأخلاقهن، وتصرف أحوال الهوى بالشاعر معهن.
وهاهم المتصوفة اتخذوا ليلى رمزا للحب الإلهي، من ذلك قولهم:
كَنِّيت بليلى عن ذاتٍ أقدسها كي ما أبيح لنفسي بعض ما مُنعا
كنيتـــــها لأوفيهـــــا قداستــها وأُشبع النفسَ من بث الغرام معا
إذا ذكرتُ جلالَ اللفظ روعني فكيف بجلال الذات مجتمعا
ومما يتصل بليلى بيت يضرب مثلا لمن يدعي شيئا من غير دليل، ظانا أنه وحده على الحق وغيره على الباطل، والعجيب أن الحق ليس معهم جميعا:
وكلٌ يدَّعي وصلًا بليلى … وليلى لا تقر لهم بذاكا
• من الأخطاء الشائعة قول أحدهم: إن هناك ثمة شعورٍ.
والصواب: إن هناك شعورا أو: إن ثمة شعورا
وهنا خطآن، الأول- أن (هناك) و(ثمة) بمعنى واحد فلا يجتمعان، الثاني- أن ما بعد ثمة يعرب هنا اسم إن مؤخر، ومن الخطأ إعرابه مضاف إليه.
• من الخطأ زيادة الألف في جمع المذكر السالم الذي حذفت نونه للإضافة، مثل: مسلموا كشمير يطالبون بالانفصال.
والصواب: مسلمو كشمير يطالبون…
لأن هذه واو الجمع التي تلحق الأسماء، وليست واو الجماعة التي تلحق الأفعال مثل: حضروا، اكتبوا، لم يكتبوا. وللحديث بقية إن شاء الله.

مقالات ذات صلة
زر الذهاب إلى الأعلى