

بقلم: فرح ياسر
انا فرح التى طالما وُصِفَت بضعيفة القلب التى لا تتحمل أي شئ
منذ أكثر من أسبوع توفيت جدتى وصديقتى وسيدة قلبى، التى طالما احترت عندما يسألنى احدهم، من الذى تحبينه اكثر والدتك ام جدتك؟
كنت احب جدتى بالقدر الكافى، كنت احبها الحب الذى كان يجعلنى اعتقد انها لو حدث لها أى شئ سيحدث لى أيضاً، كان الجميع يعتقد انها جدتى فقط ولكنها كانت كل شئ، كانت الصديقه التى تحفظ سرك، والأم التى تضمك فى حضنها دائما ماسهرت معى لأذاكر دروسى، ودائما ما كانت تفعل لى المشاريب الساخنه التى نشربها سوياً، كانت ركنى الآمن وكأنها ليله بارده بعد يوم شديد الحراره، كنا نشارك بعضنا بالأشياء التى لم نشاركها لأحد يوماً.
كنا دائما ما نتبادل دعاء الثوب الجديد انا وهى فقط، كنت عندما اشترى شئ جديد كانت تقوله لى وانا كذلك المثل. كنت دائما ما افكر ماذا لو اصابها مكروه؟ من سيقوله لى ولمن سأقوله؟ وعندما تُوفِيت اصبحت لا أود سماعه من أى شخص كان.
فرح ضعيفة القلب جلست بجانب جدتها تلقنها الشهاده شعرت انه سيحدث خطباً ما، عندما وضعت يدى فوق يدها، لكنها كانت كلوح ثلج ثم وضعت يدى ع جبينها لأجده بارداً كثيراً ويتصبب عرقاً، ولله الحمد فقد كنت انا اخر من لقنها الشهاده وقلم لها اظافرها، كانت جدتى طريحة الفراش وقبل وفاتها بليله توقفت يداها عن الحركه، كنت اخشى عليها الموت، منذ ولادتى وانا اخشى عليها الموت، اخشى ان افقدها، عندما قلمت اظافرها للمرة الاخيره بدأ أحد اظافرها يقطر دماً، بكيت كثيراً قلت انها مازالت على قيد الحياه، وفرحت كثيراً ولكن القدر لم يمهلنى، فقد تُوفِيت بعد ساعه تماماً…. كواليس سوداء كثيراً….
كنت عندما اقول لها(بعد الشر عليكى من الموت) كانت ترد بلهجتها الصعيديه وصوتها الذى يغلب عليه الحنان قائله “الموت مش شر يابتى”
جاء الطبيب لأنها كانت مريضه وبعد نزوله بسبعة دقائق لفظت انفاسها الأخيره، لنتصل على الطبيب مره اخرى
ويأتى مؤكداً “البقاء لله”
كنت أعرف أيها الطبيب، كنت اعرف عندما نظرت على أنفاسها و وجدتها قد توقفت، ولكنني كنت اود امل صغير اتشبث به. سمعت حين مره فى أحد المسلسلات شخصُ ما يقول للطبيبة، ان ما يسمونه الأطباء بالأمل نسميه نحن بالكذب، توقفت كثيراً أمام هذه الجملة، وترددت ف أذنى اكثر من مره لحظة وفاتها، ماتت جدتى استصعب قول ذلك، الجميع يُخبئ عن الجميع أننا منهارين، جميعنا يخبر جميعنا أننا بخير، كيف بخير والجميع عيونهم كالجمر من كبح البكاء.
جلست معها ف الغرفه، لم اشعر بالخوف مطلقاً. رغم اننى دائما ما كنت أظن اننى سأكون مرعوبه حين حدوث ذلك، ولكننى دائماً ما أقول أنه يوجد شعور من شدة هوله يقضى على شعورٍ أخر، وبالفعل فى هذه الأثناء شعور الحزن والفراق قضى نهائياً على شعور الخوف. كانت فى هذه الأثناء تتردد على التلفاز أية قال تعالى ” كل نفس ذائقة الموت” ألقيت بنفسى ف حضنها _ تبادلنا معها الأحضان جميعاً _ ولكن فى هذه المره حضنها كان جسد بلا روح، لكنه أيضاً كان مليئ بالحب والدفء والأمان كعادتها، وكأنها ما زالت ع قيد الحياه. وقفت على رأسها أتلو عليها الشهاده لأننى سمعت أن الميت يسمعنا، وقد تم تشغيل المراوح وكنت اخشى عليها من البرد وعندما وضعوا الغطاء ع وجهها خشيت ان يُكتَم نفسها. وكان الغطاء يهتز بسبب هواء المراوح كدت اقول لهم انها على قيد الحياه، مشاعر لا أستطيع وصفها أبداً ولا اظن أننى سأستطيع يوماً ما ودخلت عليها وهى تُكفَن وقد كان كل همى أن اشبع من حبها ورؤيتها،
خَرَجت من البيت دون ان يشعر بها أحد ولم يصرخ عليها أي شخص كما أوصتني منذ أكثر من سنة
قائلة:(ماحدش يصرخ عليا لو مُت)، ظلت هذه الجملة تتكرر في عقلي كلما حدث لها شئ
و تحققت وصيتها،
صلينا الجنازه واخرجنا الجثمان من المسجد وكان هذا أصعب شعور على الإطلاق
وايضا شعور سيارة تكريم الإنسان التى كنت دائما ما اعتقد ف صغرى انها توزع الحلوى على الأطفال، لكنه اتضح انها تأخذنا لحياة أخرى، عندما كانت جدتى ف كفنها طلب ابن خالتى الذى يبلغ من العمر أربع سنوات ان يراها، وعندما رآها هكذا قال: عاوز تيته التانيه مش دى..عاوز تيته فاطمه… وابن خالتى الآخر الذى سأل أختى لماذا ماتت جدتى؟
قالت له: لأن الله يحبها، ليرد هو ببراءه متناهيه ونحن أيضاً نحبها
كان ما يصبرنى على وفاتها قول أحد المشايخ “أن الفراق الحقيقى ليس الموت بل فراق الجنه والنار”
قلت لهم: لا تقولوا ماتت قولوا التحقت بالرفيق الأعلى، ومن افضل من الله ﷻ رفيقاً، وأمى أيضاً التى تقول: ذهبت لبيتها الجديد رفضًا منها لكلمة الموت، تغيرت الكثير من الأشياء فى حياتى والكثير من الكلمات شعرت بفراغ يملئ داخلى وكأن العالم بأثره قد فرغ من البشر.
جدتى كانت خير أنيسه وجليسه، كنت افضل الجلوس معها عن الذهاب لأى مكان، أحاول أن ألهى نفسى فى أشياء أخرى كى أنسى شعور الفقد، ليس لأننى بلا مشاعر كما يعتقد البعض، ولكن لأن مشاعر الحزن سيطرت على أطرافى جميعها.-حيث أننى لا أريد لها أن تكبلنى_ بدأت اتخيل أننا فى زمنٍ قديم وأنها سافرت لمكان ما لا يوجد فيه تواصل، وجميعنا سنذهب إليها فقط هو فرق توقيت.
هل يمكن أن يكون الموت هو صبرك ع شئ؟ هل يمكن أن تواسى نفسك بفكرة الموت؟ نعم، حدث لى ذلك بعدما ماتت جدتى أصبحت أواسى نفسى أننى سألحق بها يوماً ما، لم أعرف كيف لى أن اتأقلم مع وفاتها؟ كنت أود أن أعرف كيفية التحنيط كى تظل على سريرها، هذا المكان الذى كانت تقطنه جزء من سرير فى جزء من غرفه فى جزء من منزل، ولكنها كانت بمثابة ألف شخص.
كانت دائماً ما تحكى لى عن أيامها القديمه، جعلتنى أعيشها واسافر بخيالى إليها، جعلتنى اتحدث وكأننى عشت قديماً، لكننى الآن فقدت بوصلة الماضى الخاصه بى، أخشى الوحده كثيراً بعد فقدانى لجدتى وسيدة قلبى، بالرغم من أننى لست اجتماعيه واميل إلى الوحده أحياناً لكننى أعلم أن الجميع كان يأتى من أجلها، لم تمش وحدك سيدة قلبى انتزعتى الجزء الخاص بك من قلبى لتسيطرى بفقدك ع جزء آخر.
قد جاءت أحد احبائها قبل موتها بساعات
لتطمئن عليها ولكنها أتت متأخره وكانت لا تعلم ما آل إليه حالها، لكن جدتى لم ترها لأنها كانت غائبه عن الوعى تماماً، تَألَمت لحالها وبكت كثيراً كنت أود أن اقول لها لِمَ اتيتِ؟ ألا تعرفين أن من يأتى متأخراً من الأفضل ألا يأتى؟ كنت أود أن اصرخ بأعلى صوتى قائله: قولوا للأشياء التى تأتى متأخره انها تجعل الجروح تنزف، وتفتح جروح قد أُغلِقَت، قولوا لها انها كشخص هرول للتصالح مع شخصٍ قد مات أو كإعتراف بالحب لشخصٍ قد فارق الحياه، كل شئ لا يأتى فى وقته من الأفضل ألا يأتى مطلقاً، حزنت على فراقها، لكن من داخلى كنت اتسآل
هل أنا أنانيه!؟ وانا أعلم انها مريضه، فهل اتمنى لها أن تُعانى؟ وكان ما يُلقى الصبر بداخلى جملة “لو علمتم الغيب لأخترتم الواقع” والآن يدور سؤال بداخلى
هل ما أشعر به الآن هو الصبر أم عدم تقبل الحقيقه؟
حاولت مرارًا وتكرارًا كبح دموعى، لكن هذه الدموع غريبه جداً اعزائى
تأتي وأنت وسط الجميع
وكأنها تقول لك أنك مهزوم لا تظهر وكأنك منتصر
وضعيف لا تُظهِر أنك قوي
لتقول لك انك حزين لا ترسم ملامح الفرحة عبثًا
تأتي لتفشي سرك
وتفضح ألمك
تأتي كي تبوح بما لا تستطيع البوح عنه
-أحيطكم علما بأننى أجلس فوق سريرها وأنا أكتب لكم بعدما عاهدت نفسى ألا اترك مكانها كى لا تشعر بأننى نسيتها-
كما اخذت عهداً على نفسى بأننى فى كل موقف سأرد لى ولها
سأقول رأيى هذا وان كانت جدتى موجوده سيكون رأيها هذا، ستظلى دائماً فى أحاديثى وكأنك على قيد الحياه، عاهدتها وهى على فراش الموت أننى لن أنساها وستكون دائماً فى قلبى “ذلك القلب الضعيف الذى يملك لكى من الحب أعظمه”
بالرغم من أننى دائماً ما اتخبط بين هل الذكريات شئ جيد أم سيئ؟
هل سيئه لأنها تضع ملح على الجرح
أم جيده لأنها تذكرنا بأشخاص احببناهم دائماً.
وقد قالت: أمى لن تنتهى هكذا، ستحدث لكم الكثير من المواقف
التى ستذكركم بها.
فى نهاية المطاف يمكننى ان اقول لكم أن الموت لا يأخذ الأشياء التى نخشى فقدها، الموت ياخذ ما تبقى منا بعدما فقدنا كل شئ نخشى فقده.
هذا ما كان يدور بخلدي و أمي معًا.







