

بقلم : رجاء القماش
كلما حقق منتخب مصر إنجازا تتكرر المشاهد نفسها احتفالات تكريمات مكافآت وهدايا بالملايين يتسابق رجال الأعمال لإعلان الدعم وتتسابق الشركات لوضع شعاراتها بجوار صور الأبطال وكأن الجميع يريد أن يكون جزءا من لحظة الانتصار
لكن بعد أن تنطفئ الأضواء… يبقى سؤال واحد لا يطرحه أحد:
من سيصنع البطل القادم؟
البطولة ليست تسعين دقيقة وليست ميدالية تعلق على الصدر ولا شيكا يسلم بعد الفوز البطولة تبدأ قبل ذلك بعشر سنوات عندما يركض طفل حافي القدمين خلف كرة في شارع ضيق أو يلعب في فناء مدرسة أو يتدرب في مركز شباب بإمكانات محدودة منتظرا عينا تراه وتؤمن به
كم موهبة مصرية انتهت قبل أن تبدأ؟؟
ليس لأنها أقل موهبة بل لأنها لم تجد من يكتشفها
أين الكشافون الذين كانوا يجوبون القرى والنجوع والأحياء الشعبية بحثا عن اللاعبين؟؟ أين من يذهب إلى الموهبة بدلا من أن ينتظرها تأتي إليه؟
الموهبة لا تسكن الأندية الكبيرة فقط ولا تولد في المدن الكبرى وحدها ربما يكون أفضل لاعب في مصر الآن يلعب في مركز شباب صغير أو في مدرسة حكومية أو في شارع لم تطأه قدم كشاف منذ سنوات
وأين الرياضة المدرسية التي كانت مصنعا للأبطال؟ أين دوري المدارس الحقيقي الذي يضم أبناء المدارس الحكومية في كل قرية ومدينة؟ لماذا أصبح الاهتمام منصبا على بطولات المدارس الخاصة والدولية بينما ملايين الطلاب في المدارس الحكومية لا يجدون منافسة منظمة تكشف قدراتهم؟
إذا أردنا قاعدة قوية لكرة القدم فلا بد أن تبدأ من المدرسة لأن المدرسة هي المكان الوحيد الذي يمر به كل طفل بغض النظر عن مستواه الاجتماعي أو المادي
ثم يأتي السؤال الأكبر: أين مراكز الشباب؟
لدينا آلاف مراكز الشباب المنتشرة في أنحاء الجمهورية لكنها تستطيع أن تكون أكبر شبكة لاكتشاف المواهب إذا تم تفعيل دورها بصورة حقيقية وربطها بمنظومة احترافية للكشف والمتابعة والتطوير
والأهم من ذلك
أين دور وزارة الشباب والرياضة واتحاد الكرة في بناء مشروع قومي لاكتشاف المواهب؟
المطلوب ليس إعلانا جديدا ولا مؤتمرا صحفيا بل خطة مستمرة لا تتوقف بانتهاء بطولة أو تغير مجلس إدارة
نريد كشافين يجوبون المحافظات طوال العام لا في موسم الاختبارات فقط
نريد قاعدة بيانات لكل لاعب موهوب تُحدث باستمرار ويتابع تطوره علميا وبدنيا وفنيا
نريد أن يكون الاختيار من جميع الأندية ومراكز الشباب والمدارس والأكاديميات وليس من أندية الدوري الممتاز وحدها
فالقميص الذي سيرتديه لاعب المنتخب غدا قد يكون الآن على كتف طفل لم يسمع أحد باسمه
أما أكثر ما يحتاج إلى مراجعة فهو أسلوب اختبارات الناشئين
من غير المنطقي أن تتحمل الأسرة تكاليف السفر والإقامة ورسوم الاختبارات ثم يقف مئات الأطفال في طوابير طويلة ويغادر كثير منهم دون أن يلمس الكرة أو يحصل على فرصة عادلة يشعر الطفل أنه خسر حلمه بينما تشعر أسرته بأنها دفعت المال مقابل الأمل فقط
اكتشاف المواهب يجب أن يذهب إلى اللاعب لا أن يجعل اللاعب يطارد فرصة قد لا تأتي
ولو أن جزءا بسيطا من الأموال التي تنفق اليوم على الهدايا والمكافآت والإعلانات وجه إلى مشروع قومي لاكتشاف الناشئين لرأينا بعد سنوات جيلا جديدا ينافس أقوى منتخبات العالم باستمرار لا مرة كل فترة
الاستثمار الحقيقي ليس في الاحتفال بالبطل بعد أن يصنع المجد، بل في صناعة البطل قبل أن يعرفه أحد
مصر لا تعاني من نقص المواهب ……
بل تعاني من نقص الوصول إليها
لدينا أطفال يحلمون لكنهم يحتاجون إلى من يفتح لهم الباب
فإذا أردنا أن يبقى علم مصر مرفوعا في البطولات الكبرى فعلينا أن نتوقف عن سؤال: كيف نكافئ الأبطال؟








