

مع الرقيب .. كانت لنا صولات!
بقلم: محمد المصرى
قبل أن يقرر الرئيس السادات الغاء الرقابة على الصحف بعد عام واحد من حرب أكتوبر1973 .. كانت لنا صولات وجولات ومعارك مع موظفى الرقابة الذين كانوا يجلسون فى صالات تحرير الصحف القومية .. ليتولوا قراءة ومراقبة كل ماينشر .. وإننا يجب علينا الحصول على توقيعهم السامى على بروفات الصفحات قبل أن تدور بها مطابع الجريدة !.
وأذكر أن الرقيب كان يجلس فى صالة تحرير جريدة الأخبار التى كنا نطبع فيها جريدة “صوت الجامعة “ التى يصدرها طلبة كلية الإعلام – جامعة القاهرة – وصدر العدد الأول منها فى ديسمبر 1972 .. وكانت بمثابة المعمل الصحفى التى نتعلم فيها أسس الصحافة المثالية على يد أستاذنا الكبير جلال الدين الحمامصى .
وفى بعض الأحيان كان سيادة الرقيب يتأخر عن الحضور.. وعندما كنا نر يد الحصول على توقيعه لنبدأ عملية الطبع كان د. صلاح قبضايا نائب رئيس تحرير جريدة الأخبار وأحد المشرفين على تدريبنا فى صوت الجامعة و معه الأستاذان محمد عبد الحميد نائب رئيس تحرير مجلة آخر ساعة ، و سامى جوهر أشهر محرر حوادث فى ذلك الوقت .. كان د. قبضايا يرسلنى إلى الرقيب العام “ طلعت بك خالد “ فى مبنى التليفزيون لنعتمد البروفات قبل الطبع .. فقد كنت أقرب الطلبه اليه ، ومساعداً له فى جمع المواد الصحفية لرسالتي الماجستير والدكتوراه الذى كان يعدهما .. وحتى أذهب وأعود بسرعة كان يعطينى عشرة قروش من جيبه الخاص لركوب المترو من محطة مستشفى الجلاء حتى كورنيش النيل قبل الغاء المترو من هذه المنطقة .. ولكن يسامحنى الله فقد كنت أقوم بالذهاب والعودة سيراً على الأقدام من الشوارع الخلفية الممتدة من الكورنيش وحتى مبنى الأخبار فكانت أسرع من انتظار المترو وكنت “أدلع “ نفسى بالعشرة قروش ً!
وعندما أصعد إلى “ طلعت بك “ فى الدور الرابع .. كنت انتظره حتى ينتهى من عمله .. وأقوم بعرض البروفات عليه .. فيقول لى : إحذفوا هذا الخبر أو عدلوا هذا الخبر أو غيروا عنوان هذا الموضوع .. وعندما أهم بالاحتجاج أو أبدأ فى مناقشته كان يقول :
“معلش معلش هذا فى مصلحة البلد” .
أما أهم المعارك مع الرقيب والتى كنت شاهداً عليها واستنجدنا فيها بأستاذنا جلال الدين الحمامصى للتصدى لهذا الرقيب .. فقد طلب الرقيب حذف خبر عن وزارة الثقافة التى اشترت لوحة فنية بألآف الجنيهات وتبين انها لا تساوى حتى المئات .. وأعتبرنا أن هذا التصرف من الوزارة هو إهدار للمال العام .. وأعددنا الخبر للنشر فى الصفحة الاولى.. ولكن الرقيب أصر على حذف هذا الخبر قبل الطبع ، وإلآ لن يسمح لنا بالصدور .!
و شرحنا الموقف لأستاذنا الحمامصى وتعنت الرقيب معنا حول هذا الخبر وضرورة حذفه حتى يسمح لنا بالطبع .. وفوجئنا بعد هذه المكالمة بقليل بحضوره فى التاسعة ليلاً إلى مؤسسة أخبار اليوم بعد غياب سنوات طويلة .. وجلس فى مكتب الأستاذان إسماعيل يونس وسامى جوهر بالدور الأول فى المبنى القديم .. وكنا نلتف حوله لنعرف ماذا سوف تنتهى معركتنا مع الرقيب. ؟!.
وطلب الأستاذ جلال الرقيب العام تليفونياً.. وبعد مناقشات حادة من الطرفين .. قال الأستاذ جلال فى نهاية المكالمة بالحرف الواحد : “ أننا سوف ننشر الخبر واذا اردتم مصادرة العدد فصادروه
ووضع السماعة بكل غضب وانفعال لم نعهده عليه من قبل !
وصدر العدد فى اليوم التالى متضمنا الخبر فى الصفحة الأولى .ولم تستطع الرقابة مصادرة العدد..بفضل إصرار أستاذنا جلال الدين الحمامصى على نشر الخبر.. وتناقلنا قصة ما حدث مع الرقيب فى الكلية كلها .. وتصميم الأستاذ جلال على نشر الخبر الذى انفردت به جريدتنا صوت الجامعة ..
وكانت هذه هى شجاعة استاذنا الكبير الذى كان يواجه الصعاب فى كل العهود ، ويتحدى أصحاب النفوذ ويواجه كل أشكال الفساد بقلمه وعزيمته وارادته التى لا تلين .. وغرس فى تلاميذه بعض هذه الصفات التى كانت سبباً فى شقاء بعضنا فى الطريق الطويل لصاحبة الجلالة الصحافة !
*****
وكان هذا موقفنا مع الرقابة على الصحف قبل قرار الالغاء التام لها .. وقبل أن تنتقل الرقابة إلى بعض رؤساء التحرير حفاظاً على مناصبهم وادعاء بعضهم أنهم يحمون النظام من بعض المغرضين والمتطرفين من الصحفيين ولله الامر من قبل ومن بعد !






