

بقلم: لواء سعد عبد الهادي
أود اليوم الحديث عن تجربة ما زالت عالقة في ذاكرتي منذ ما يزيد عن 54 عاماً. في يوم 27 سبتمبر 1972، كان يوم تخرج الدفعة 62 حربية، والتي تشرفت بأنني كنت أحد أعضائها. وكانت هذه هي المرة الأولى منذ عام 1967 التي يُدعى فيها أهالي الخريجين للحضور
وقد قام بتخريجنا بطل الحرب والسلام، الرئيس محمد أنور السادات،
الذي دعا الأهالي لحضور حفل التخرج. وتمت فعاليات الحفل في تمام الساعة الرابعة تقريباً، وانتهت في تمام الساعة السادسة. وكنوع من التكريم للدفعة، أعلن الرئيس السادات –رحمه الله– لوزير الدفاع، الفريق محمد صادق –رحمهم الله جميعا–، أن يحتسب تخرج هذه الدفعة من يوم 16 سبتمبر 1972، مع منحهم نصف شهر خدمة على المرتب
تخرجنا، وكما يُقال، فإن أول رتبة يشعر بها الفرد كأنها لواء قديم هي رتبة “الملازم”. بعد التخرج، انتقلنا إلى فرقة “الصاعقة”، والتي تعد من أصعب فرق الكوماندوز في العالم، حيث تحتوي على صعوبات شديدة جداً لا يتحملها البشر.
تكمن الفكرة في الصاعقة في أن الإنسان يمتلك طاقات وقدرات لا يعرفها، ولكن عندما يوضع في ظروف صعبة تظهر هذه القدرات. فمثلاً، لا يمكن للفرد أن يتخيل أنه قد لا ينام ليومين أو ثلاثة، أو لا يأكل لعدة أيام، أو لا يشرب لمدة اكثر من يوم.
كان هذا التدريب يضعنا تحت ضغط شديد لاستخراج تلك القدرات الكامنة، ومعروف أن الصاعقة المصرية من أفضل وحدات الكوماندوز العسكرية في العالم.
تخرجنا، وبعد أن توزعت الدفعة، تم توزيعنا كناـ 9 ضباط على المجموعة، 129 صاعقة. ووصلنا إلى الجبهة، يوم 31 ديسمبر 1972، ولن أنسى هذا التاريخ لأن تلك الليلة كانت تشهد احتفالاً بـ “رأس السنة”. دخلنا على قيادة المجموعة بقيادة العقيد “هيكل” –، والقائد الثاني المقدم “علمي الديب” –رحمهم الله–.
وصلنا إلى قيادة المجموعة في القصاصين، وتوزع التسعة ضباط؛ خمسة منهم على كتائب المجموعة في القصاصين، وأربعة منا تم إرسالهم على الكتيبة 203 في بورسعيد. لا أزال أذكر ذلك اليوم، حيث كان يومها هناك حفلة للفنانة وردة”، وكانت تغني فيها أغنية “العيون السود”.
في صباح يوم 1 يناير، اصطحبنا المقدم علمي الديب لتنفيذ استطلاع لخط برليف، وطلعنا على المصطبة التي بها قواتنا في الجانب الغربي للقناة وكان في الجانب الشرقي للقناة نقطة قوية من نقاط خط بارليف ، ومرفوع فوقها العلم الإسرائيلي. سيادة المقدم علمي الديب سألنا عما نراه أمامنا، فأجبناه بأننا نرى النقطة القوية الخاصة بإسرائيل، والتي يرفعون عليها العلم. فتعجب وقال: “لا، هذا معناه إيه؟”، وأجبناه بأنه علم إسرائيل
استمرينا لاكثر من ربع ساعة، نؤكد أن هذا هو العلم، وهو يصر على الخطأ، إلى أن فاجأنا بأن هذا العلم ليس له الا معني واحد وهو أن “أمكم مصر”، يتم اغتصابها من شخص غريب وقوي أمامكم، وأنتم يا رجالتها غير قادرين على حمايتها
عندما سمعنا هذه الكلمة، شعرنا جميعاً بدون استثناء بالدم يغلي في عروقنا ،وحينها اتخذت عهداً على نفسي بجلب العلم الإسرائيلي وفعلاً حصلت عليه عند اقتحام نقطة رأس العش وهو اليوم موجود عندي في بيتي،. جعلنا هذا التوجيه خير توجيه وخير ودافع للمعنويات ودافع كبير للاستعداد للقتال بعنف لاستعادة كرامة مصر.
والحقيقة التي أود قولها هي أن التسعة ضباط الذين كانوا معنا، استُشهد منهم خمسة، وعاش أربعة لم ينالوا الشهادة، ومنهم أنا. عندما ذهبنا في اليوم التالي على الكتيبة 203 صاعقة، كان قائد الكتيبة –رحمه الله– سيادة المقدم “محمد عبد الوهاب بهلول”، من رجال الصاعقة الذين تحملوا عبء تحرير الأرض واستعادة العرض.
ولذلك عندما سمعت في يوم من الأيام أن شاباً في عام 2012 قام بحرق العلم المصري خلال الفوضى، حزنت جداً؛ لأن رفع هذا العلم تم من خلال شهداء ابرار ضحوا بأرواحهم من أجله، ورحنا الكتيبة 203 صاعقة لنبدأ فصلاً جديداً من الاستعداد للقتال، وطريقاً إلى الانتقام واستعادة كرامة مصر








