آراء ومقالات

بوح السحر

 

 

بقلم د. سحر محمود عيسي

أحزان الدرس الأخير! 

عاهدت أمي يومًا أن أكون قوية صامدة ،،وأن أقتنع بأن أصحاب القلوب الضعيفة والعيون الباكية لا يعمرون كثيرا،وأن جمود القلب أحيانا يكون نعمة! 

حاولت والله يا أمي في المرة الأخيرة وفشلت رغم أنني نجحت في التمثيل أحيانًا، فكنت أخرج من المستشفى وأذهب إلى محاضراتي مبتسمة راضية،بينما كل شيء في ينطق ألمًا ووجعًا! فلا ذنب للطالب في تحمل هموم أستاذه! 

أكتب منشورات مرحة يبتسم من يطالعها ويغبطني بل يحسدني أحيانا وهو لا يعلم بأن كاتبة هذه السطور دخلت غرفة العمليات أكثر من ١٠ مرات وهي لم تصل إلى الأربعين بعد! لا يعرف والله حتى الآن ما أحمله بين جوانحي ويعلم به الله وحده! 

 

لا يعرف أن شدة الألم بالمستشفى كانت تدفع الطبيب إلى إعطائي مهدئات كي أصبح جسدا منهكا خامدا لا يقوى حتى على الصراخ والاستغاثة! 

تحملت والله يا أمي كثيرًا كثيرًا بما أخفيته عنك في غربتي-وعن الجميع- كي لا تحزني لأني أعلم تعلقك بي وتعلقي بك،إلى أن جاء اليوم الذي لا بد أن ألتزم فيه بقراري الموجع!  

 

كتبت هذه الأسطر وأنا مغادرة تبوك على نفس المقعد الذي جلستُ عليه،وأنا قادمة إليها،منذ ١٠ سنوات.سافرتُ لأول مرة في حياتي بعد فراق والدي بعدة أشهر بعد أن انكسر شيء في داخلي تجاه الحياة،وصلت تبوك وأنا لا أعرف أحدًا ..صافحتها مصافحة الغريب الذي أوجس في نفسه خيفة ،حتى أحببتها وأحبتني هكذا أظن!

.

مرت السنوات بحلوها ومرها،بذكرياتي الجميلة وبنهاراتي الباكية..

تبوك الورد الهادئة الطيبة الجميلة كانت محطتي الأولى والأخيرة في العمل بجامعتها.. هكذا قررت،أن أودع التدريس الجامعي،لأسباب خاصة،وأسعى إلى مجال التدريب الذي أحبه كثيرا..اخترت هذا القرار بعزم بعد تفكير !

كتبت هذا العقد مع نفسي منذ عام،ولم أكن أدري أن الفراق ليس سهلًا على بعضنا وأنه ينبت فينا حزنًا ممتدا! 

قمت بالاستعداد لتنفيذ قراري قبل أن يصلني أي شيء رسمي..جمعت كل ما له صلة بالتدريس الجامعي

أحضرت صندوقا كبيرا ووضعت فيه الأقلام والأوراق والكتب والطابعة وووو ….وكأني أدفن أرواحُا حية تعاتبني وتحاسبني!

 

وضعت كل شيء في الصندوق،عدا أبحاثي المنشورة وغير المنشورة..حاولت ولم أستطع!

مضيت في طريقي وكنت أقاوم مشاعر الضعف،كنت أبدو قوية شجاعة كأبناء الصعيد تمامًا!  

 

ثم..جاءتني المكالمة المنتظرة:( د. سحر يعز علي إبلاغك…)صمت الموظف قليلًا ولم يكمل…. فبادرته قائلة:شكرا لك ومقدرة مشاعرك الطيبة مثلك..أغلقت المكالمة وأغلقت الصندوق..

المفارقة أن هذا الموظف الخلوق جدا،هو أول من استقبلني ، قبل ١٠ سنوات،وهو أيضا أول من ودعني بهذا القرار..

لم تكن مشكلتي نهاية عقد وعمل،أبدا والله، بل كانت أكبر من كل هذا،بما لا يعرفه أحد سواي ولا يشعر به سواي!

بعد المكالمة تأكدت أن لحظة تنفيذ قراري قد جاءت وأن غدا سيكون الدرس الأخير..وما أدراكم ما الدرس الأخير! 

 

ذهبت إلى الجامعة ولا شيء قد تغير في..كنت مبتسمة، ومرحة،ودخلت القاعة وأنا أمزح مع طالباتي

وشرحت المحاضرة بروح هادئة،ومع ذلك كنت أتأمل كل شيء حولي: 

القاعة ،الأقلام،البروجكتور،الأسلاك،الجدران،الكتاب..السبورة.. مكتبي ..الدرج..النافذة..!

وكأني أودع أرواحًا وبشرا 

وكأن روحًا تنتزع من روحي!

 

.مضى وقت المحاضرة بما كنت أرجوه وأتمناه بل أفضل.. وكأني بممثل يؤدي مشهدا سيكون فارقًا في حياته ومسيرته! 

كنت أنا الممثل والمخرج والمؤلف والجمهور!

ختمت المحاضرة بسؤال معتاد:هل من سؤال عن شيء في الدرس؟ ..

فأشارت طالبة بأن لديها سؤالا ..

قالت: يا د. سحر هل هذه المحاضرة الأخيرة في المقرر؟ داهمني الصمت لحظات ولحظات ولحظات إلى أن قلت:

نعم في المقرر وفي الجامعة وفي حياتي ..ثم وضعت يدي على وجهي كطفل صغير ،وبكيت كثيرا كثيرا! 

خارت قواي يا أمي ولم أستطع العمل بنصيحتك فسامحيني! 

وداعًا وسلامًا قاعة الدرس والمحاضرات..والأقلام والسبورة..وداعًا للتدريس الجامعي..وداعا لروحي من بعد روحي

وداعًا وسلامًا تبوك الورد .. وجامعتي الغالية..

وداعًا وسلامًا لمن حمل لي مودة ومحبة،وشكرًا لمن لم يستطع! 

اللهم إنك تعلم حرصي على إرضاء وجهك الكريم،خوفا من السؤال عن الأمانة التي حملتها في عملي

 والحساب يوم الوقوف بين يديك..اللهم هذه شهادة المقصر الذي لا يعفي نفسه أبدا،لكنه اجتهد فيما ظن أنه الصواب، وهو الذي يحسن الظن بك دومًا،فأنت الكريم واللطيف بعبادك الضعفاء وأنت الأعلم بالنوايا وما تخفي الصدور،اللهم إني فوضت أمري إليك،فاكتب أجري فيما أنت به أعلم واعف عن تقصيري وارزقني نورا وخيرا فيما هو قادم!

سلامًا ووداعا….

زر الذهاب إلى الأعلى