

بقلم: د. يسري عبدالعال
نواصل -عزيزي القارئ- ذكر بعض المتفرقات الأدبية واللغوية، منها ما يتعلق بأصول دلالات بعض العبارات، أو تصويبات لغوية لأخطاء تشيع على الألسنة.
خالي الوِفاض: هذه العبارة تفيد معنى “لا يَمْلك شيئًا، ليس معه أي شيء، صفر اليدين، مفلس”. لكن هل تعرف- عزيزي القارئ- معنى كلمة “الوفاض” التي نرددها كثيرا دون أن نعرف معناها؟ “الوفاض” جمع لكلمة “وَفْضَة”: ومعناها وعاء السِّهامِ المصنوع من الجلد، فكأن قائل عبارة “خالي أو خاوي الوفاض” يقول: إنه جاء ليس معه شيء من السهام في جرابه، فهو خالٍ وخاوٍ منها، ثم عممت الدلالة من كثرة الاستعمال، وأصبحت تطلق على كل من يأتي وليس معه شيء، فالذي لا يعرف من العلوم والمعارف شيئا هو خالي الوفاض، والذي يعود من سفره لم يحصل علما ولا مالا هو خالي الوفاض، والطالب الذي حضر المحاضرة وليس معه أدواته هو خالي الوفاض، وهكذا إلى آخره.
العَوْد أحمد: هذه العبارة تقال عند الرجوع للشيء بعد التوقف عنه؛ لِأَنَّك لَا تعود إِلَى شَيْء فِي الْغَالِب إِلَّا بعد خبرته، وأحمد: اسم تفضيل من الحمد، أي أكثر حمداً، فرجوعك لشيء تركته أطيب وأحمد. وهذه العبارة مَثَلٌ مأخوذ من قول الشاعر مالك بن نويرة:
جَزَيْنَا بني شَيْبَانَ أمسِ بقَرْضِهِمْ وَعُدْنَا بمثل البَدْءِ والعَوْدُ أَحْمَدُ
وفي الكلام المعاصر غالبا ما تأتي هذه العبارة مرتبطة بعبارة تسبقها، وهي “عَوْد حميد”؛ أي عودتك محمودة ومُرحب بها، وكأن القائل يعبر عن سروره برؤية شخص ما أو ابتهاجه بفعله عموما.
حديث خرافة: هذه العبارة تفيد أن هذا الكلام المتحدث به خيالي ولا يصدق، وأصل هذه العبارة ما ورد عن العرب أنه كان فى بنى عذرة- وهي من القبائل العربية- رجل اسمه خرافة، انقطعت أخباره عن قومه، ومكث مدة لا يعرفون له مكانا، وبعدما يئس قومه من عودته، إذا به يعود ويخبرهم أن الجن أخذته إلى بلادها، وأرته عجائبها وغرائبها، وأخذ يقص ما رأى من صور الجن، وحركاتهم، ومأكلهم ومشربهم، ومساكنهم، وطرق حكمهم، وأعمالهم؛ وقومه يسمعون ويدهشون لتلك القصص العجيبة الخارجة عن نطاق العقل، ولا يصدقون أن يكون على الأرض شىء مما يرويه خرافة. ثم عممت الدلالة وأصبحوا كلما سمعوا من أحد حديثا لا يعقل قالوا: “حديث خرافة”، تكذيبا له، ثم قالوا اختصارا: “خرافة” استبعادا لحدوث ما يقال ويحدث. وأصبحت دلالة “الخرافة” هي الكلام الباطل الذى لا يمكن تصديقه.
من الأخطاء الشائعة أن يأتي بعد أداة الاستثناء “سوى” حرف الجر والمجرور به، مثل: قول بعضهم: “لم يصب سوى بخدوش بسيطة”. لأن القاعدة تقول: إن ما بعد “سوى” يكون اسما يعرب “مضاف إليه”؛ فنقول: سوى قولِ الحقيقة. لذا الصواب في مثل المثال السابق أن نقول: لم يصب إلا بخدوش، أو لم يصبه سوى خدوشٍ بسيطة.
من الأخطاء الشائعة أيضا استخدام أداة الاستثناء (عدا) بمعنى (بالإضافة إلى) في مثل: كتب كثيرا من المؤلفات عدا مئات المقالات في الصحف. لأن (عدا) استثناء بمعنى إخراج شيء من أشياء، فهو عملية طرح لا جمع، وهذا يتناقض مع ما جاء في المثال السابق، والصواب أن نقول: كتب كثيرا من المؤلفات بالإضافة إلى مئات المقالات في الصحف.
وللحديث بقية إن شاء الله.






