

بقلم د. يسري عبدالعال
نواصل -عزيزي القارئ- ذكر بعض المتفرقات الأدبية واللغوية، منها ما يتعلق بأصول دلالات بعض العبارات، أو تصويبات لغوية لأخطاء تشيع على الألسنة.
الصفقة: هي عقد بيع، أو اتِّفاق ينعقد على تسليم بضاعة أو تقديم خدمة؛ فيقال: “هذه صفقة مباركة”، وأصبحت تستخدم حديثا في السياسة، فيقال:”الصفقات السياسية”، مثل التي تعقد بين دولتين أو أكثر- وعبارة “صفقة القرن” من العبارات السياسية الشائعة- وقد تعقد الصفقة داخل الدولة الواحدة بين قوى سياسية معينة، مثل المعارضة فى مواجهة الحزب الحاكم، هذا ما أصبحت تدل عليه كلمة الصفقة حاليا، لكن ما الأصل الدلالي لها؟
الصفقة في اللغة: الضرب باليد على يد شخص آخر عند البيع، والعرب كانت من عادتهم إذا وجب البيع؛ أن يضرب أحد المتبايعين يده على يد صاحبه؛ وكان يقال إذا تصافق البائعُ والمشتري: أتمَّا البيعَ والشِّراءَ، ثم من كثرة الاستعمال استخدمت الصفقة بمعنى عقد البيع نفسه، ثم بمعنى اتفاق يحقق منفعة مقابل خدمة أو منفعة.
كشَّر عن أنيابه: هذه العبارة تقال تعبيرا عن الاستياء والغضب، والتهديد، والاستعداد للقتال. لكن هل تعلم -عزيزي القارئ- أن أصل دلالة هذه العبارة هو الكشف عن الأسنان عند الضحك، جاء في معجم لسان العرب: “كَشَرَ عَنْ أَسنانه يَكْشِرُ كَشْرًا أَبْدى، يَكُونُ ذَلِكَ فِي الضَّحِكِ وَغَيْرِهِ… وكَشَرَ البعيرُ عَنْ نَابِهِ أَي كَشَفَ عَنْهُ. وَرُوِيَ عَنْ أَبي الدَّرْدَاءِ: “إِنَّا لَنَكْشِرُ فِي وُجُوهِ أَقوام، وإِن قُلُوبَنا لتَقْلِيهم”؛ أَي نَبْسِمُ فِي وُجوههم، وكاشَرَه: إِذَا ضَحِكَ فِي وَجْهِهِ وَبَاسَطَهُ.
يقول الشاعر ابن المعتز:
والصّبح قد كشّر عن أنيابه … كأنّما يضحك من ذهابه
ويفهم من الكلام السابق أن دلالة الكشر الأصلية هي إظهار الأسنان عموما، ثم تخصصت بالضحك، ثم انتقلت الدلالة إلى الغضب والعبوس؛ خاصة أن لفظة الناب ترتبط بالشر والافتراس من قبل الأسود والذئاب، قال المتنبي:
إذا رأيت نُيوب اللَّيث بارزةً … فلا تظنّن أن اللَّيث يبتسمُ
فالذئب إذا كشّر- أي كشف- عن أنيابه لفريسته، تظن الفريسة أنه يضحك، ويقال عضّه الدَّهْرُ بنابه: أصابه بِشَرِّه، وفلان نابه أزرق: خبيث شرِّير، ووقَع بين نابي أسد: أحاط به الخطرُ من الجانبين، ومن أمثال العرب المشهورة: “شرٌ أهر ذا ناب”، وهو يضرب عند ظهور أمارات الشر، وأهرّ حمله على الهرير، وهو أن يكشر السبع عن أنيابه ويصوّت إذا رأى ما يفزعه، والهرير في الأصل صوت الكلب عند عجزه عن دفع ما يؤذيه.
أحرز قَصَبَ السَّبْق: هذه العبارة تفيد أن فلانا له الأفضلية في مجال سبَق غيره إلى الفوز فيه، وتفوّق على أقرانه فيه؛ فنقول فلان له قصب السبق في التفسير، أو في الفقه، أو في كتابة القصة والرواية. وأصل هذه العبارة ما يروى عن العرب من أنهم كانُوا ينْصِبُونَ فِي حَلْبَةِ السِّبَاق قَصَبَةً، فمَنْ سبقَ اقتَلَعَها وأَخَذَها؛ ليُعْلَمَ أَنَّهُ السّابقُ من غيرِ نِزَاعٍ، فقيل له: “حاز قصب السبق”، كذا يقال للمراهن إذا فاز: “أحرز قصب السبق”، ثمّ كَثُر حَتَّى أُطْلِقَ على كل إنسان يسْبِق الآخرين وله الأفضلية في أي مجال، ويقال: “له قصب السبق في كذا”.
من الأخطاء الشائعة تثنية الفعل مع “كلا” و”كلتا”، مثل قولهم: كلا الرجلين حضرا، وكلتا المرأتين حضرتا، والصواب: كلا الرجلين حضر، وكلتا المرأتين حضرت.
لأن (كلا) و(كلتا) إذا أضيفتا إلى الاسم الظاهر؛ القاعدة فيهما أن يفرد الفعل ولا يثنى، ومثاله من القرآن قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾.
ومن الأخطاء الشائعة فى استعمال (كلا) و(كلتا)، ألا يراعي الكاتب قاعدة التذكير والتأنيث؛ حيث الصواب أن تستخدم (كلا) للمثنى المذكر، و(كلتا) للمثنى المؤنث.
إذن قولهم: كلا الدولتين تتنافسان فى شراء السلاح، خطأ، والصواب: كلتا الدولتين تتنافس فى شراء السلاح.
وللحديث بقية إن شاء الله.






