

بقلم: سعيد الخولى
شموخ الفارغين
ملأى السنابل تنحني بتواضعٍ…. والفارغات رؤوسهن شوامخ
بيت جميل من الشعر الذى يجري مجرى الحكمة ،وهناك اختلاف حول قائل هذا البيت ، فمنهم من قال إنه المتنبي ومنهم من قال أبو فراس الحمدانى والبعض الثالث قال إنه لبيد ولكن يبقى الاتفاق على هذا البيت يجب أن نأخذ منه العبرة. لأنه يعبر عن واقع للحياة نعاينه ونعيشه في محيطنا الداخلي والإقليمى بالوطن العربي . ولأننى منحاز للقرية وللأرض وماتجود به من أسباب الحياة فقد شدني هذا البيت الرائع بما فيه من حكمة تلخص واقعا يبدو أننا لسنا الوحيدين من عايشناه عبر التاريخ. إنه يعبر عن لوحة إلهية معجزة للقمح أو الشعير أو الأرز فهي المحاصيل التى تنتج بذورها في سنابل، وكلما كانت السنبلة خصبة الحصيلة كان حملها أثقل فتنوء بحمله وتميل به وبالعودة الذى يحملها وكأنها فى حالة تواضع وانصراف عن أن تقول أنا هنا، وعلى العكس منها تنمو سنابل فقيرة الإنتاج أو حتى فارغة منه فتكون بلا حمل يثقلها ويحنيها فتنتصب عالية بأعوادها وكأنها تتفاخر باعتدال ساقها وعلو قائمتها، ولاتدرى مصيبتها وسر علو هامتها المخادع، وأنها في نهاية الحصاد لن تكون إلا علفا للسوائم والبهائم، أما تلك التى ناءت بحملها فهى التي تسر النفوس وتترك مايفيد الإنسان حتى بعد درس العيدان.بل يتجسد المعنى في كل شجرة تنحني فروعها المثمرة بحملها المفيد وترتفع فروعها الفارغة بجدبهاوقفرها.
ألا ترون معي أن غالبية القامات المنتصبة المتباهية المسيطرة على أنظار الناس وانشغالهم هي تلك السنابل الخاوية أو قليلة الإنتاج التي ترتفع بعيدانها المغرورة فتأخذ أنظار المشاهدين دون عقولهم الملغاة غالبا.. وهل مهاويس نجوم الكرة ومجانين مشاهير التمثيل وملاحيس فقاعات الغناء إلا تجسيد للمخدوعين بالسنابل الخاوية التي هى أدوات للوصول بالناس إلى حالة تغييب كامل للعقول والأفكار.
الإعلام والفن والرياضة وحتى الثقافة ما أكثر مافيها من سنابل خاوية من الحبوب منعدمة الفائدة إلا فى تغييب الناس وطمس إدراكهم لحقيقة حياتهم، هم كالهالوك ينمو على حساب متابعيهم ومشاهديهم ومجانينهم، بهم يحققون علوهم المخادع، ومنهم يمتصون ملايينهم من جنيهات هؤلاء المفتونين المشدوهين بألعاب الحواة..
هل ادركتم كم هو عظيم معنى هذا البيت وحكيم وواقعي:
ملأى السنابل تنحني بتواضعٍ
والفارغات رؤوسهن شوامخ




