

بقلم: د. يسري عبدالعال
نواصل -عزيزي القارئ- ذكر بعض المتفرقات الأدبية واللغوية، منها ما يتعلق بأصول دلالات بعض العبارات، أو تصويبات لغوية لأخطاء تشيع على الألسنة.
* العَبْقَرِيُّ: شخص فائق الذَّكاء، متفوّق مُبرَّز، يقال ولد عبقريّ: أي نادرة زمانه، نابغة، والعَبْقَرِيُّ: السَّيِّدُ من الرِّجَالِ، قَالَ الأَصْمَعِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا عَمْرِو بنَ العَلاءِ عَن العَبْقَرِيّ فَقَال: يُقَالُ: هَذَا عَبْقرِيُّ قَوْمٍ، كقَوْلِكَ: هذا سَيِّدُ قَوْمٍ وكَبِيرُهُم وشَدِيدُهم وقَوِيُّهُم. وقيل العَبْقَرِيُّ: الذِي لَيْسَ فوقَهُ شَيْءٌ. والعَبْقَرِيُّ: الشَّدِيدُ والقَوِيُّ. وعلى هذه الدلالة جاءت سلسلة مؤلفات تسمى العبقريات للأستاذ العقاد، منها: (عبقرية محمد) و(عبقرية عمر) و(عبقرية الصديق)، لكن ما أصل هذه الدلالة؟
أَصلُ هذه الدلالة- فِيمَا يُقَالُ- أَنّها نسبة لوادي عبقر، وهي بلدة تزعم العرب أنها يسكنها الجن، فأصبح ينسب إِليها كل شَيْءٍ فائق جليل، لذا قيل لكل شيء نفيس من الرجال والنساء وغيرهما: عبقري. ومن هنا جاءت دلالة كلمة عبقري بأنه كل جيد ونفيس وفاخر وجليل، ومن هذا الباب وصف مُتكأ أهل الجنة (عبقري حسان)، أي على بسط فاخرة نفيسة حسنة.
* المرموق: ذو المكانة والمنزلة، وفلان في مركزٍ مرموق: في مكانة عالية في المجتمع، وأديب مرموق: منزلته عالية بين أقرانه، ومستقبل مرموق: كله آمال بَعْثٍ ورقي ونهضة. وأصل دلالة هذه الكلمة من الفعل (رَمَقَ) يقال رمَق الشَّيءَ: نَظر إليه وأتبعه بصره يرقبُه ويتعهَّدُه، ومنه رمقه ببصره، ورَمَّقَ فلانا: أدَامَ النَّظَر إليه لعلو شأنه، وأصبح المرموق من الناس: الذي ينظر إليه في تعظيمٍ لشأنه، ومنه قول الأسود بن يعفر- الشاعر الجاهلي – يرثى شخصا بعلو الشأن:
يا لهف أمي إذ أودى وفارقني/ أودى ابن سلمى نَقِيَ العرض مرموقا
*الفذلكة: خُلاصة، مُجمل ما فُصِّل، وفَذْلَكَ كلامَه: أجمل ما فصّله، وهي كَلِمَةٌ مَنحوتةٌ مِن قولِ الحاسِبِ إِذا أَجْمَلَ حِسابَه: “فَذلِكَ كذا وكَذَا جُنيهًا”، إشارةً إلى حاصِلِ الحِسابِ وجملتِهِ وخُلاصتِهِ ونتيجتِهِ؛ حفظًا للحسابِ، واحترازًا عن الزيادةِ والنقصِ. والنَّحْتُ نوعٌ مِن الاختصارِ اللُّغويِّ في التعبير العَربيِّ، ومعناه: صياغة كَلمةٍ من كلمتَين أو أكثر على سَبيل الإيجاز والاختصار، مع تأديةِ المعنى المُرَاد، مثل: (بَسْمَلَ) من قولهم: (بسم الله)، و(حَوْقَلَ) مِن قولهم: (لا حولَ ولا قُوَّةَ إلا بالله)، و(الفَذْلكَة) مِن قولهم بَعْدَ التَّفصيل: (فَذَلِكَ العددُ كذا وكذا). أي نهايته وخلاصته. وكان هذا هو الشائع المستعمَل عندَ العرب في ذِكْر الأَعدادِ عند الحِسابِ؛ حيث يذكُرون الأرقامَ مُفردةً على سبيلِ التفصيل، ثُم يَذكُرونها مجموعةً بالأَرقامِ على سبيلِ الإجمال، ومن ذلك ما جاء في القرآن الكريم (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) وعلق الإمامُ الزَّمخشريُّ: “فإن قلتَ: ما فائدةُ الْفَذْلَكَةِ؟- أي الإجمال بعد التفصيل- قلتُ: الواو قدْ تَجيءُ للإباحةِ في نحو قولك: جالِسِ الحَسنَ وابنَ سِيرين، ألاَ ترَى أنَّه لو جالسَهما جميعًا، أو واحدًا منهما كان ممتثلاً، فَفُذْلِكَتْ -أي أجملت – نفيًا لتوهمِ الإباحة”. ثم عممت دلالة لَفْظُ (الْفَذْلَكَةِ) على كلِّ ما هو نتيجةٌ متفرِّعةٌ على ما سبَق حسابًا كان أو غيره، فيقال مثلا فذلكة في تاريخ الكتابة، أو فذلكة أقوال الأخيار، وفي العصر الحديث أطلقت الفذلكة بمعنى الفلسفة الزائدة الممزوجة بالهمز واللمز والنميمة، والمتفذلك- وتنطق في العامية المتفزلك- هو المتعالم، والمتفلسف، والمتلاعب بالكلمات، الذي يوهم من أمامه صدق حديثه، والمطيل للكلام، والمغرور، حيث نقول في عاميتنا: “هو بيتفزلك علينا”، ولعل ارتباط كلمة (الفذلكة) بكلمة (الحذلقة) هي السبب في هذه الدلالة الجديدة حيث يقال: “فذلكة وحذلقة”.
*من الأخطاء الشائعة: أن تقول شهر ربيع الثاني، والصواب ربيع الآخِر (بكسر الخاء) فليس هناك ثالث، بل هما ربيعان، ربيع الأول وربيع الآخر.
*ومن الأخطاء الشائعة: قول البعض شهر جماد الأول وشهر جماد الثاني، والصواب جُمادى الأولى وجُمادى الآخرة (بكسر الخاء)؛ لأن كل الشهور العربية مذكرة عدا جُمَادَى، فهو لفظ مؤنث معناه البرد والجمود؛ لذا يقال: جمادى الأولى وجُمادَى الآخِرة .






