آراء ومقالات

كلمةوالسلام

 

 محفوظ والحكيم.. أفلتا من الساحرة المستديرة

بقلم: سعيد الخولى

كرة القدم جنون الصغار والكبار فى القرن العشرين وزادتهم جنونا فى القرن الحالى ،كلهم يهيمون جنونا بالمشاهير من لاعبيها العالميين ،وزاد الأمر فى مصر مع شهرة لاعبها العالمى محمد صلاح ومناطحته لكبارها النجوم السوبرستار من عينة ميسى ورونالدو وغيرهما من كبار النجوم. وأسباب هذا الجنون كثيرة وعديدة أولها بالطبع الشهرة الطاغية لأولئك النجوم والمبالغ الأسطورية التى يتقاضونها ووضعيتهم المتميزة فى مجتمعاتهم وعلى مستوى العالم،ويحلم الصغير أولا أن يكون صاحب مهارات عالية تقطع خطواته وتطلعاته للشهرة فى زمن قياسى يجد نفسه بعدها محطا للأنظار وموضعا للإشارة إليه بالنجم الكبير فلان،فضلا عما يجده الفتى الحالم بالنجومية من فروق اجتماعية ومادية شاسعة بين أهاليهم المكافحين الذين يعيشون حياتهم بالكاد وبين ذلك العالم الساحر حيث القصور والفيللات والسيارات الفارهة والطيارات الخاصة والإعلانات التى تدر عليهم ملايين بغير حساب.

لكن السؤال هل كانت كرة القدم بهذه الحظوة لدى أجيال سابقة فى القرن الماضى مثلا وكانت تخطف الأبصار والعقول بنفس هذه الدرجة؟لقد لفتت كرة القدم أنظار كبار الأدباء والمفكرين وما تفعله بالشباب والصبية من افتتان بها ؛حتى أن الأديب الراحل توفيق الحكيم لخص القضية فى جملة واحدة حيث قال”انتهى عصر القلم وبدأ عصر القدم” ،وواضح مايرمى إليه الأديب الراحل من معنى يرتكز على وضعية كرة القدم ونجومها فى المجتمع وتفوقها على أصحاب العلم والأدب والفكرماديا ومعنويا لدى الناس.

وهو مايعكس اهتمام الحكيم وعشقه للكرة ومتابعته لها، ولم يكن وحده كذلك،بل انضم إليه وشاركه هذا الاهتمام نجوم عصر الكتابة بالقرن الماضى مثل إحسان عبدالقدوس وعبدالرحمن الشرقاوى وفتحى غانم ويوسف الشارونى ،كما أشار إلى ذلك الكاتب الصحفى مصطفى بيومى فى كتابه ، «كرة القدم فى الأدب المصرى شهادات اجتماعية وسياسية» ، يروى كيف تقاربت معالجة أجيال متباينة من الأدباء ومدارس فنية مختلفة ورؤى سياسية وأيديولوجية متعارضة، بفارق عمر بين الكتاب يتجاوز ربع القرن، فى تعاملها مع اللعبة. بدأ الكتاب بالإشارة إلى تأثير كرة القدم على السياسة والاقتصاد، مستدلًا بالحرب العسكرية بين السلفادور وهندوراس بسبب مباراة فى كرة القدم، مرورًا بواقعة اغتيال أحد اللاعبين، ونشاط المافيا فى اللعبة، والفساد الذى يتخللها، وصولًا إلى واقع الأهلى والزمالك فى الحياة المصرية.

إحسان عبدالقدوس تابع واهتم بكرة القدم

الأكثر إدهاشا ماكان عليه كاتب نوبل عميد الرواية العربية العالمى نجيب محفوظ من عشقه لكرة القدم منذ طفولته،وهو ما يذكره الكاتب الصحفى الصديق العزيز عاطف النمر فى كتابه”كل زملكاوى فنان”؛ حيث كون فريقا من أولاد الحارة أطلق عليه اسم ” قلب الأسد “، واطلق عليه زملاؤه لقب ” أبو الروس ” لتفوقه فى إحراز الأهداف برأسه، وانتقل نجيب محفوظ بموهبته الكروية من فريق الحارة إلى فريق المدرسة الابتدائية، لعب جناحا ايسر وأحرز من هذا المركز أهدافاً كثيرة، وانتقل فى فريق المرحلة الثانوية إلى مركز قلب الدفاع وتنبأ له مدرس التربية الرياضية بمستقبل واعد عندما يلتحق بفريق ناد كبير، لكنه خيب التوقعات بعد التحاقه بالجامعة،لأن الأدب سرقه من الساحرة المستديرة عندما قرر ان يتفرَّغ للإبداع الإدبى.

يقول نجيب محفوظ فى أكثر من حديث إنه كان يحب – كما يقول – ان يسمع كلمة استحسان، وهو يتلاعب بالخصوم ليسمع تصفيق الجمهور وآهاته، وترجع علاقته بالكرة إلى الفترة التى انتقل فيها مع أسرته إلى العباسية، التحق بالمدرسة الابتدائية، وكانت المدارس فى ذلك الوقت حسب قوله لا تلتزم بسن محددة للالتحاق بها، اطفال فى سن الثامنة أو التاسعة يجلس بجوارهم شباب تجاوزوا العشرين ولهم شوارب كبيرة، واصطحبه شقيقه ذات يوم لزيارة صديق حميم له من عائلة الديواني، وكان بيت هذا الصديق يطل على محطة السكة الحديد، وقد اصطحبهما بعد الغداء لمشاهدة مباراة فى كرة القدم بين فريق مصرى وآخر إنجليزى، ويقول نجيب محفوظ ” كم كانت دهشتى كبيرة عندما فاز الفريق المصرى، كنت أعتقد حتى ذلك الوقت أن الانجليز لا ينهزمون حتى فى الرياضة، وكان قلب الدفاع فى الفريق المصرى هو المرحوم على حسنى، وهو من فتوات بولاق، كان يضرب الانجليز كل كتف وكتف دون أن يُضرب بالرصاص، فيتدحرج الانجليزى على الأرض، ولم تكن ضربة الكتف تعتبر «فاولاً» فى ذلك الوقت، كنا نجابه الإنجليز فى الكرة بلا خوف، وكانت النتائج تفرح الشعب “.

ويتذكر نجيب محفوظ بقية اللاعبين فى الفريق المصرى ومنهم الشقيقان أحمد ومحمد سالم، قوة الدفاع الحقيقى للفريق، أحدهما الظهير الأيمن والآخر الظهير الأيسر، ويتذكر ايضا اللاعب الفذ ” حسين حجازى “، وحارس المرمى ” مرعى ” الذى كان عملاقاً، وكانوا يضربون عليه الكرة عالية فيلتقطها بيده من دون أن يقفز، ولكنهم كانوا فى بعض الأحيان يفلحون فى تهريب الكرة من تحت رجليه، وهؤلاء – كما يقول نجيب محفوظ – كان المصريون يقرأون أسماءهم فى جريدة ” التايمز” البريطانية التى كانت تغطى مباريات الانجليز فى مصر. 

ويتذكر نجيب محفوظ أن حسين حجازى والشقيقين أحمد ومحمد سالم ومرعى تركوا فريق الأهلى وذهبوا إلى ” فريق المختلط “، وفى أول مباراة لهم ضد فريق الأهلى ذهب نجيب محفوظ إلى الملعب ووصف المبارة بأنها : «كانت مباراة العمر. كنا جميعاً نتابعها بأعصابنا قبل عيوننا، وكنت أخشى أن ينهزم حسين حجازى من الأهلى فى هذه المباراة بالذات. وأعترف أننى من شدة انفعالى كان يمكن أن أموت لو حدثت الهزيمة، فالحزن يميت فى مثل هذه الحالات، كذلك الفرح “، ومن هذه المبارة تعلق نجيب محفوظ بالساحر الكروى حسين حجازى، وطلب من والده أن يشترى له كرة، وأخذ يمضى وقتاً طويلًا فى فناء المنزل وهو يلعب بالكرة مع نفسه أتقن المبادئ الأساسية للعبة كرة القدم، وانطلق من فناء المنزل إلى الشارع، وأصبح أشهر لاعب كرة قدم فى شوارع العباسية من خلال فريق ” قلب الأسد ” ويقول محفوظ : ” كنا نلاعب فرق الشوارع الأخرى، وظللت سنوات ألعب الكرة إلى أن دخلت الجامعة، وعرضوا عليَّ أن أشارك فى فريق الكلية، لكنى كنت قد عرفت طريق المكتبة بالجامعة فأخذتنى القراءة من الكرة، ربما لو استمرت بى الحال فى مجال الكرة لكنت لاعباً مشهوراً فى أحد النوادى الكبرى “.

عشق نجيب محفوظ حسين حجازى الذى يقول عنه : ” كان أسطورة سمعت عنها، ثم صار حقيقة رأيتها فى أواخر حياته الكروية، ومن شدة عشقى له أطلقت عليه لقب ” المايسترو “، وبسبب حسين حجازى صرت زملكاوياً، واصبح انتمائى إلى الزمالك انتماء تاريخيا، بدأت علاقتى به حين كان اسمه ” المختلط “، وأذكر أننى تمنيت فعلاً أن أكون ابن حسين حجازى أسطورة الكرة المصرية، وعندما كنت أتدرب على الكتابة، كانت شخصيات أولى رواياتى التى لم تنشر كلها عن لاعبى كرة القدم “.

زر الذهاب إلى الأعلى