آراء ومقالات

خلف السطور: أوراق غيرت العالم (من زمن الجواب لزمن الواتساب)

بقلم: ميرفت قاسم

زمان كنا نطمئن على بعضنا بالجوابات؛ فإذا سافر أحد من العائلة كان آخر ما نودعه به: “أوعى تقطع الجوابات، طمني عليك”. كان الجواب هو الوسيلة الوحيدة التي تنقل إليك أخبار أحبابك المسافرين بعيدًا، تطمئنك على صحتهم، وكيف يعيشون، وماذا ينقصهم، وتنقل لك صورة مصغرة من حياتهم اليومية.

كانت المسافات بين البلاد بعيدة، خاصة لمن يسافر خارج وطنه، وحتى بين المحافظات كانت المسافات تعتبر بعيدة في الزمن الماضي. لم يكن هناك طريقة تطمئن بها أهلك غير الجوابات أو “الترنك”، لكن الترنك كان وسيلة غير متاحة للجميع، فلم يكن الهاتف متوفرًا في كل البيوت، بل كان الطلب يتم أحيانًا عند أحد الجيران أو البقال اللي بجوار المنزل ؛ لذلك كان الأسهل والأفضل بالنسبة للجميع هو كتابة الجواب، ودا لأن فيه خصوصية أكبر، كما كان الجواب أفضل وسيلة تعبر بها عن حبك لأحدهم.

ماذا لو عادت الجوابات الورقية؟

 الجواب بخط اليد ينقل التفاصيل الصغيرة، وهو بمثابة حضن مصغر، وزي ما قال عبد الحليم حافظ: “وبعت لي كلمتين.. مش أكتر من سطرين”. كانت الجوابات مرسال الحب، كانت صادقة تنقل الإحساس الحقيقي لصاحبها.

هل تذكرون أفلام زمان؟ مثل: الباب المفتوح، في بيتنا رجل، رسالة من امرأة مجهولة، عاشت للحب، وفيلم البوسطجي؛ هذه المهنة التي اقتربت من الانقراض وأصبحنا نفتقد شكل صاحبها وشنطة الجوابات على كتفه، وأنت تنتظر جوابًا من غالٍ عليك مسافر، أو أبٍ شغله بعيد، أو أخٍ مغترب للتعليم في الخارج. أغلب أفلام زمان كانت توضح لنا دور الجوابات في حياتنا اليومية، وكفاية أنها تقول ما قد لا تمتلك الجرأة لقوله وجهًا لوجه، وكما قالت المطربة فايزة أحمد: “بتسافر الجوابات مليانة بالحنين.. مليانة بالآهات”.

زمان كان هناك شخص يُدعى “العرضحلجي”، وذاك كان بمثابة محامي الناس البسطاء؛ يكتب لهم الجوابات سواء كانت شكاوى للنيابة أو جوابات خاصة، ويقرأ الجوابات المرسلة إليهم، وهذا بالطبع كان قبل انتشار التعليم. الجوابات ذاكرة لا تموت 

لا يمكن أن ننسى جوابات كافكا وميلينا، ومي زيادة وجبران خليل جبران، والأبنودي وجوابات الأسطى حراجي لفاطمة. الجوابات لم تكن مجرد كلمتين على الماشي، لا، بل كانت “حالة مود”. لكي تكتب جوابًا، كانت هناك طقوس معينة وحالة مزاجية جميلة تدخل فيها؛ عادة ما يكون الوقت ليلاً، تجلس على المكتب، تنور الأباجورة، وعلى ضوء نورها الخفيف اللي بيدخلك في مود حلو، تحضر الريشة والحبر وتبدأ تتكلم مع المرسل إليه الخطاب، سواء كان حبيبًا، أو زوجًا مسافرًا، أو أخًا في بعثة للخارج.

الجوابات الرومانسية التي كانت بين المحبين زمان كانت تنقل مشاعر وأحاسيس يصعب البوح بها علنًا، وياما جوابات سببت سهرًا ودموعًا، وجوابات كانت سببًا للفرحة والنوم بسعادة بعد سماع أخبار حلوة هتحصل قريبًا، كأن يعد الحبيب بمقابلة الأهل في أول إجازة سينزلها من الجيش. وياما جوابات وصلت لأصحابها -خاصة الرومانسية- مع الأخ الصغير الذي يجهل ماهية ما يحمله، كان يوصل الرسالة بمنتهى البراءة والجائزة تكون “بونبوني”! وأوقات كان ساعي البريد هو “المكوجي”، كما رأينا في فيلم يحيى شاهين ولبنى عبد العزيز عندما بعث لها الجواب في جيب الفستان الذي سيوصله لها المكوجي، وأوقات كان الساعي هو “الدادة” أو الشغالة التي في البيت مثل فيلم أم رتيبة لما سعاد بعثت جوابًا لحبيبها.

من أشهر جوابات المشاهير:

رسالة القصبجي لأم كلثوم: أثناء مرضها.

رسالة ليلى مراد: التي تتنازل فيها لعبد الحليم حافظ عن أغنية “تخونوه”.

رسالة عمر الشريف لفاتن حمامة: في عيد ميلادها.

أما عن أظرف الرسائل، فكانت من فلاح بسيط كتبها للإمام الشافعي، كان يطلب منه مبلغ 200 جنيه لتجهيز ابنته لكي تتزوج. في تلك الفترة فى -عهد الزعيم جمال عبد الناصر- كان الزعيم يهتم جدًا بالجوابات التي يرسلها الناس للإمام الشافعي، ولما وصل إليه هذا الجواب بعث بمبلغ 100 جنيه لصاحب الجواب وقال لهم: “قولوا لصاحب الجواب الـ 100 جنيه هذه من جمال عبد الناصر مش من الإمام الشافعي”. فما كان من الرجل إلا أن كتب ثانية للإمام الشافعي:

“أنا طلبت من سيادتكم 200 جنيه عشان أجوز البنت، ابعت الباقي وبلاش تبعت مع الراجل اللي اسمه جمال عبد الناصر!”

اما عن الجوابات التي تفيض بالحنين والحب نجد 

جوابات حراجي القط وجوابات مي زيادة

أما عن جوابات حراجي القط، وهو عامل صعيدي سافر لبناء السد العالي وكان يبعث جوابات لزوجته فاطنة يحكي فيها عن يومه وافتقاده لوجوده معهم، فهذا جزء من أهم الكلمات التي كتبها الأبنودي في جوابات الأسطى حراجي، كان يتحدث فيها عن الغربة والجهل:

“عارفة يا مرتي الراجل في الغربة يشبه إيه؟ عود درة وحداني في غيط كمون.. الجهل مريح يا فاطمة، الجهل مريح، عدم العلم مليح يا أم أولادي يا إنسانة زي الناس، عدم المعرفة بيخلي الرجالة عيال، يضحكوا يبكوا ودايماً للدنيا طعم جديد”.

وآخر عن عتاب فاطنة له لغيابه:

“ليه تتأخر كده يا حراجي؟ الدار من غيرك يا أبو عزيزة.. هو من غيرك يا حراجي زي اليتما في العيد”.

أما عن أشهر الجوابات، فكانت تلك المتبادلة بين مي زيادة وجبران خليل جبران، وهذه عبارات من أجمل الكلمات التي أرسلتها مي لجبران تقول فيها:

“أتمنى أن يأتي يوم نتحدث فيه بكثير من الحرية، فما قيمة سبعة آلاف ميل تفصلنا، إن كنا نلتقي بالروح؟”

وقالت أيضًا في إحدى رسائلها المفعمة بالحب والتحفظ معًا:

“أنا أعلم أن القليل في الحب لا يرضيك، كما أعلم أن القليل في الحب لا يرضيني. أنت وأنا لا ولن نرضى بالقليل. نحن نريد الكثير. نحن نريد كل شيء”.

ومن الجوابات الهامة جدًا في تلك المرحلة الزمنية أيضًا، خطاب مصطفى صادق الرافعي لمي زيادة، الذي كتب لها رسائل غرامية، وكان هذا وصف حالته عند قراءة رسائلها حيث قال:

“لو رأيتني وأنا أقرأُ رسائلكِ، لرأيتِ أنكِ لا تكتبين لي كلاماً، بل تزرعين في الورق زهرَ أنفاسكِ”.

هناك ايضا 

مراسلات تعد وثيقة لأثبات أهمية الحب حتي عند أقوى القادة العسكريين 

رسائل نابليون بونابرت (1796): ذلك القائد العسكري الذي خاض الكثير من الحروب، كانت رسائله الغرامية إلى زوجته جوزيفين تعتبر من أشد الرسائل رومانسية، وهذا نص أحدها: “لم أمضِ يوماً واحداً دون أن أحبكِ، ولا ليلة واحدة دون أن أضم طيفكِ بين ذراعيّ… سحركِ يوقد ناراً لا تنطفئ في قلبي”.

وهناك رسائل غيرت مجرى التاريخ منها 

رسائل ألبرت أينشتاين إلى الرئيس الأمريكي روزفلت (1939): كان المضمون تحذيرًا من ألمانيا لأنها تشرع في صنع قنبلة ذرية، وكانت النتيجة قيام أمريكا بصنع أول سلاح نووي وهو “مشروع مانهاتن”.

ورسالة تخاطب الروح الإنسانية وهى 

مراسلات غاندي إلى أدولف هتلر (1939): قام فيها غاندي بدعوة هتلر دعوة إنسانية لمنع الحرب العالمية الثانية، وجاء في نص الرسالة: “عزيزي الصديق… من الواضح أنك اليوم الشخص الوحيد في العالم الذي يمكنه منع حرب قد تحول البشرية إلى حالة من الهمجية”.

ورسالة كافكا إلى ميلينا (1920): وهي من أشهر الرسائل الرومانسية في التاريخ والتي عبر بها عن المعاناة في الحب، ونص الرسالة: “أنتِ لستِ امرأة فحسب، بل أنتِ قلبي، وقلبي لا يمكن أن ينبض في صدر غيري”.

ورسالة المواساه وهى 

رسالة من أبراهام لينكولن للأرملة بيكسبي (1864): كتبها الرئيس الأمريكي تعزيةً لأم فقدت خمسة من أبنائها خلال الحرب الأهلية، وهي من أجمل رسائل المواساة لما لها من جانب إنساني عميق.

الرسائل التاريخية للقادة كانت تعبر عن مشاعر وأحداث حدثت على أرض الواقع، رسائل سجلت تاريخ حقبة من الزمن لم نعاصرها، وبفضلها علمنا جزءًا كنا نجهله من تاريخ العالم والإنسانية.

هناك ايضا 

الرسائل السياسية والدينية الخالدة:

لا يوجد أعظم من رسائل النبي محمد (صلّى الله عليه وسلّم) للملوك، حيث قام النبي ﷺ بإرسال السفراء بخطابات سيظل التاريخ يذكرها إلى ملوك وقياصرة العالم (مثل هرقل عظيم الروم، والمقوقس عظيم مصر) يدعوهم فيها إلى الإسلام.

ورسالة سليمان -عليه السلام- إلى ملكة سبأ، وقد وُثقت تلك الرسالة خير توثيق حيث ذُكرت في القرآن الكريم في سورة النمل وبدأت بالبسملة:

ورسالة عمر بن الخطاب لنيل مصر:

“من أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أما بعد.. فإن كنت تجرى من قِبَلك فلا تجرِ، وإن كان الواحد القهار هو الذى يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك”. وجرى النيل وفاض بعدها بكل الخير.

المراسلات في مصر القديمة:

عرف المصريون القدماء أيضًا نظام المراسلة والجوابات، وكانت المواد المستخدمة تختلف حسب الطبقة 

ورق البردي الملوك، كبار رجال الدولة، والأمراء بسبب تكلفته العالية جدًا

الأوستراكا (الشُّقَف) عامة الشعب وطبقات المجتمع العادية كانوا يستخدمون لوح من الحجر الجيري المسطح كبديل رخيص للبردي

الألواح الطينية كانت لمراسلة الملوك والرؤساء في الخارج تُكتب بالخط المسماري الدولي

أما عن أنواع الجوابات في مصر القديمة فكانت كثيرة، منها: الجوابات الشخصية، العائلية، والدبلوماسية.

علينا أن ندرك جيدًا أن تاريخ البشرية ليس المدون في كتب التاريخ فقط، بل هو المحفوظ في طيات الرسائل المنسية؛ فالرسائل الورقية هي الذاكرة الحية التي لا تموت بموت أصحابها. وكما قال الكاتب الألماني غوته:

الرسائل هي أثمن ما يتركه الإنسان وراءه”.

زر الذهاب إلى الأعلى