آراء ومقالات

أشتات في اللغة والأدب24

 

د. يسري عبدالعال

نواصل- عزيزي القارئ- ذكر بعض المتفرقات الأدبية واللغوية، منها ما يتعلق بأصول دلالات بعض العبارات، أو تصويبات لغوية لأخطاء تشيع على الألسنة.

مقالات ذات صلة

* تكالب: يستخدم هذا الفعل للدلالة على الحرص على الشيء بشدة مع تناحر وتواثب فيما بين الأطراف، يقال: تكالب القومُ على جمع المال: حرَصوا عليه وتواثبوا كما تفعل الكلاب. ومنها تكالبوا على المناصب: أي اشتد تنافسهم فيما بينهم للحصول عليها. وتكالَب الناسُ على الدّنيا: اشتدّ حرصُهم عليها حتى كأنّهم كلاب. ومنه اشتق اسم الفاعل: المتكالِب، بمعنى الحريص على الأمر. واسم المفعول: المتكالَب، بمعنى المهاجَم الضعيف، مثل قولنا: إن أمريكا في كل مفاوضاتها مع الفلسطينيين-وهم المتكالَب عليهم من جهات عدة- تحاول أن تنتزع تنازلات لصالح إسرائيل. 

  ومن دلالات الفعل تكالب استخدامه بمعنى التجمع والتكدس والتراكم: يقال: “تَكالَبَتِ الهموم عليه”، بمعنى تجمَّعت الأحزان والضغوط والمشاكل على الإنسان من كل جانب، تمامًا كما تتكالب الكلاب على فريستها، أي تتواثب عليها وتنهشها، حيث يهجمون عليه ويتسلطون على قلبه بشراسة وكثرة، ويقال: “تكالب أعداء الإسلام على الأمة”، بمعنى تجمعوا عليها؛ آملين القضاء على الإسلام.

 وكذلك يستخدم بمعنى الشِّدة، يقال: تكالب الزمان عليه: اشتد. 

    كما تستخدم بمعنى مطلق الحرص، كقول بعض الصحفيين: تكالبت الفضائيات على فلان للاستماع إلى آرائه. وإن كان هذا الاستعمال نراه غير صحيح؛ لأن أصل التكالب هو التواثب بين الأطراف، فالقوم يتكالَبون على كذا، أي تَجَاهَرُوا بِالْعَدَاوَةِ فيما بينهم، وَهُمْ يَتَكَالَبُونَ عَلَى كَذَا أَيْ يَتَوَاثَبُونَ كما تفعل الكلاب مع الفريسة. جاء في لسان العرب لابن منظور: وتَكالَبَ الناسُ عَلَى الأَمر: حَرَصُوا عَلَيْهِ حَتَّى كأَنهم كِلابٌ. وفي أساس البلاغة للزمخشري: تكالب الخصمان: تشاتما.    

* تهافتَ على: يستخدم الفعل “تهافت” حديثا للدلالة على الإسراع إلى الشيء، نقول: يتهافت المواطنون على شراء سبائك الذهب خوفا من تقلبات التضخم. ويبدو أن هذه الدلالة تطور عن الدلالة الأصلية، جاء في لسان العرب: “وتهافَتَ الفَراشُ فِي النَّارِ: تَساقَط… وتَهافَتَ القَوْمُ تَهافتًا إِذا تَساقطُوا مَوْتًا”، ولعل هذا السقوط كان سريعا؛ فانتقلت الدلالة من عموم السقوط إلى السقوط بسرعة، ونظرًا لارتباط هذا السقوط بالسرعة، انتقلت إلى معنى السرعة. والملاحظ أيضا ربط المعاجم القديمة بين التهافت بمعنى التساقط ومجال استخدامه وهو الشر، جاء في تاج العروس للزبيدي: “وَفِي الحَدِيث: (يَتَهَافَتون فِي النَّار) (التَّهَافُتُ: التسَاقُطُ) قِطْعَةً قِطْعَةً، من الهَفْتِ وَهُوَ السُّقوط، وأَكثرُ مَا يُستعمل التَّهَافُتُ فِي الشَّرّ”. أما الاستخدام الحديث فيجعل الإسراع مطلقا دون تبصر ودون نظر إلى الخير أو الشر. فنقول: الجمهور يتهافت على شراء عروض التخفيضات.  

     وهناك معنى آخر للتهافت، وهو دحض الرأي الآخر ونقضه، جاء في معجم اللغة العربية المعاصرة: “تهافتت الآراءُ: نقض بعضُها بعضًا وتهافتت الحُجَجُ أمام القاضي: تساقطت تناقضًا وضعفًا”. فالمعنى هنا مرتبط بالمعني الأصلي، وهو التساقط، بإظهار ضعفه وإبطال حججه.

*التوطئة: تستخدم للدلالة على ما يمهّد به لشيءٍ، كأن يكتب مؤلفٌ كتابا فيقدّم له بتوطئة، يقال: “كتَب توطئة لمؤلَّفه. فهي تمثل بوصلة القارئ لفهم الكتاب والنافذة التي يطل منها على عقل الكاتب.

وقد تكون التوطئة مقدمة لعمل ما، مثل: “إشعال الطائفية توطئة لتقسيم البلاد”. وأصل التعبير وطئَ الشيء: داسه بالأقدام؛ فأصبح سهلا مهيئا، وفي المصباح المنير: “وَطِئْتُهُ بِرِجْلِي أَطَؤُهُ وَطْئًا: عَلَوْتُهُ” فالدلالة هنا تفيد الاستعلاء، ثم عممت الدلالة على كل شيء يراد تهيئته لأمر ما.

  وللحديث بقية إن شاء الله.

زر الذهاب إلى الأعلى