آراء ومقالات

حلاوة مولد برائحة اللافندر

 

بقلم د. أمل خليفة

التقطٌت آخر قطعة من علبة حلوى المولد النبوي، وأنا أردد بقدسية ومحبة متأصلة “ولد الهدى فالكائنات ضياءُ” ثم أخذُت اقلب القطعة بين أصابعي بتردد هل أفتحها وألتهمها أم أنتظر وأتريث فهي آخر قطعة من الحمصية التي أعشقها عشقاً رغم إنها لا تحظى بقبول جماهيري كبير مثل الملبن المحشو بعين الجمل، وغيره من الأنواع الفاخرة الأخرى، رفعتُ أكتافي بلامبالاة وأنا أهمس لنفسي هكذا هو ذوقي يتأرجح بين الشعبي والراقي، اعدت النظر لقطعة الحلوى التي تذكرني بمباهج ذكري المولد النبوي الشريف واستدعت بداخلي أجمل وأعذب ذكرى لن انساها ما حييت لأنها ربطت بين أحب الأشخاص إلى قلبي أمي وابي رحمة الله عليهما وبدلالات التذوق والشم معًا كما انها تذكرني بأخواتي، كما تتسم هذه الذكري بروحانيات راقية ورومانسية ناعمة.

فلقد كان والدي رحمة الله عليه حريص على الاحتفال بالأعياد والمناسبات ليدخل على قلوبنا السعادة والفرح ومن أهم هذه الأعياد المولد النبوي الشريف فكان يشتري لنا حلوي المولد النبوي كل عام، ومعها الفارس الذي يمتطي حصانه والعروسة الحلاوة التي كانت شائعة في ذلك الوقت قبل أن تستبدل بالعروسة الزينة المصنوعة من البلاستيك أو غيرها من الخامات، ورغم انه جرى العرف إن العروسة البيضاء المزينة بدقة بورق الكوريشة زاهي الألوان خاصة بالفتيات، وكان الفارس بحصانه الحلاوة أحمر اللون خاص بالأولاد، إلا إن ابي كان يشتري لي ولأخواتي البنات العروسة والحصان معاً.

 وكان حريص في هذه المناسبات أن يشتري لأمي هدية رمزية ليدخل السعادة والسرور إلى قلبها الطيب، وفي أحد الأعياد أشترى لها زجاجة عطر من الأنواع الرائجة في ذلك الوقت “مصرية الصنع” لتفرح معنا في هذه المناسبة، وكانت هذه الزجاجة برائحة اللافندر!

وتقريباً بسبب ازدحام المواصلات والتدافع في ساعة الذروة “وقت رجوع الموظفين من العمل” تسربت بضعة قطرات من زجاجة العطر إلى علبة الحلوى، قد يكون هذا التسريب بسبب عيب في التصنيع أو التقفيل، أم لم تكن الزجاجة جيدة الغلق لا أتذكر على وجه التحديد، ولكن ما اتذكره هو ان هذا التسريب لم يؤثر على طعم الحلوى بل لقد أثر على رائحتها بالإيجاب فجعلها أكثر عمقاً في ذاكرتي لدرجة أنني مازلت أتذكر رائحتها حتى اليوم، ورغم إن والدي قد نهانا عن تناول هذه الحلوى، والتخلص منها، إلا إن والدتي قامت بإجراء عدد من تجارب التذوق ومن ثم استطاعت اقناعنا إن ما حدث من تسريب لم يلحق الضرر بطعم الحلوى وكل ما هنالك إن قطرات العطر قد (كرفت) علي رائحة الحلوى، أي منحها النكهة دون أن تؤثر في الطعم لا أكثر ولا اقل.

والمفارقة العجيبة إن هذه الرائحة تجتاحني كلما تناولت قطعة من حلوي المولد أو قد أكون اتعمد استدعاء هذه الرائحة لأستحضر ذكريات الطفولة الجميلة في كنف والدي رحمة الله عليهما

زر الذهاب إلى الأعلى