آراء ومقالات

كلمة والسلام

بقلم: سعيد الخولى 

الصحافة الورقية فى زمن الإنترنت
سألنى صديقى الفيسبوكى العاشق للصحافة الورقية:كيف ترى حال الصحافة الورقية الآن وكيف ترى مستقبلها؟
قلت له: تاريخيا فإننى على المستوى الشخصى أعتبر مهنة الصحافة من أقدم المهن وجودا،وأعتبر ما سجله قدماء المصريين من أحوالهم المعيشية والحربية والتعبدية على جدران المعابد أقدم صحيفة أحوال لم تتبدل أو تتغير على مدار آلاف السنين، لكن الصحافة بمفهومها القريب كوسيلة إعلامية مطبوعة وصلت إلى العالم العربي منذ القرن التاسع عشر نتيجة اللقاء بين الشرق والغرب مع حملة الجنرال نابليون على مصر عام1798 وكانت أول صحيفة عربية تظهر في العالم على الإطلاق جريدة “التنبيه” التي أصدرها بونابرت في مصر عام 1800، كما أن صحيفة “الوقائع المصرية” وهي ثاني صحفية عربية من حيث القدم صدرت عام 1828 وظهرت على يد حاكم مصر محمد علي الكبير. بمايعنى أننا نتكلم عن قرابة قرنين من الزمان هما عمر الصحافة في مصر ومن بعدها المنطقة العربية وتغير مفهوم الصحافة مابين بدايتها إلى مانحن عليه حاليا، ففي البداية فهم العرب الصحافة على أنها أداة جهاد، ووسيلة حرب ونضال، وسبيل للثورة، وكانت الصحافة العربية تحاول تحرير الأمة من السلطنة العثمانية، فصرفت جهودها الى إثارة النفوس وإيقاظ الهمم، فأهملت الناحية الفنية من الصحافة.
المهم وصلت الصحافة إلى ماهى عليه الآن بعد زمن من التفوق والبريق والخصوصية الإعلامية في المجتمع والتأثير الكبير في طبقة صناع القرار ،حتى حصلت بجدارة على مسمى أو مرتبة “السلطة الرابعة”؛وصلت إلى مرحلة الصراع على البقاء والوجود بعد أن هدد وجودَها تعاظم وجود ودور الفضائيات والإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى والمواقع الإلكترونية التي أفقدت الصحافة الورقية ميزة الوصول أولا للناس، وصار الناس يعيشون الحدث لحظة بلحظة عبر الإنترنت والشبكة العنكبوتية وتحول العالم إلى قرية كونية واحدة يعايش أقصاها مايعانيه أدناها،ويعلم قاصيها بأحوال دانيها في التو واللحظة. فضلا عما تعانيه الصحافة الورقية من ضغوط ارتفاع التكلفة والخسائر المادية لعدم تغطية التكلفة مع تغير مصادر التمويل وقصور العائد من الإعلانات التي اتجه أغلبها إلى الفضائيات والإنترنت، ثم وهو الأكثر تأثيرا تعاظم دور القيود التي تتحكم كثيرا في الصحافة الورقية مع اضطرابات الأوضاع السياسية هنا أو هناك، وهو أمر غريب في هذا الزمن أن تقيد وسائل الصحافة والإعلام بقيود تفقد وجودها تماما مع قدرة كل شخص أن يكون هو نفسه وصفحته الخاصة جريدة سريعة الإيقاع ، وبالطبع ليست دعوة للفوضى لكن الصحافة الورقية لن تستطيع العيش والمقاومة في هذا العصر مالم تتح لها حرية التعبير عن الناس، وهذا هو الفارق بين الصحافة غربا والصحافة شرقا، ففي الغرب تتعرض الصحافة لنفس الظروف المعاكسة من قلة الموارد نسبيا وشدة المنافسة الإلكترونية، لكنها في ذات الوقت تتخلص من قيود حرية الرأى فاستطاعت الحفاظ على تواجدها واستمرارها بل هناك من الصحف الورقية في الغرب ما زاد توزيعه وكمية المطبوع منه. وأرى أن على الصحافة الورقية أن تغير استراتيجيتها لتظل موجودة فلا تعتمد على الخبر قدر اعتمادها على ماوراء الخبر وعلى التحقيق الذى يناقش المشاكل بكل صراحة والحوار الساخن الذى لايستمد سخونته من جرأة هدم الثوابت ،بل من جرأة اقتحام المشاكل مع المسئولين عنها. باختصار أن تكون الصحيفة عبارة عن رسالة من الشعب إلى المسئول يجد فيها الناس أنفسهم ومشاكلهم وليس أن تكون رسالة أو توجيها من المسئول إلى الشعب بما يريد أن يقوله وبما يطلب منهم أن يفعلوه.
المهم هو ماذا تقول المطبوعة وكيف تخاطب الناس،هل يرون فيها أنفسهم كما يريدون أم يرون فيها ما يراد لهم فقط أن يروه،وتلك هى القضية الجوهرية لعلة الصحافة وقد تغيرت معالم لعبة التمكن والتألق فيها وعاد كثير من لاعبيها يؤثرون لفت النظر بالفضائح وما يثير الأنظار دون فائدة تعود عليه إلا جذب تلك الأنظار لمنطقة عمياء فيرتبك وتختل قدماه ويسقط فى هوة يعانى عمرا لمحاولة النجاة منها.
غاب المنادى الحريف وانتهى عصر النجم المهارى الذى تعجب ألعابه الناس حتى لو خدعتهم ،لكنهم فى النهاية يتذوقون المهارة ويصفقون للعبة الحلوة..لكنها بضاعة أتلفها الهوى وباتت تلملم أوراقها.

زر الذهاب إلى الأعلى