آراء ومقالات

الحزن قنوط من رحمة الله

بقلم: هدير القصاص

عندما يحزننا أمر ما مثل فقدان عزيز او هجران أو بأس نشعر بالحزن الشديد ويأتي من يقول لك: “أرضي بقضاء الله” وهنا أتوقف وأتجمد هل الحزن قنوط ويأس من رحمة الله؟ وإذا كان كذلك فلم وضع الله الحزن بنا ولم يأمرنا بكبحه مثلما أمرنا أن نفعل عند الغضب؟
كلا. فإن نبي الله يعقوب حزن على يوسف حتي أنه كان لا يتوقف عن البكاء وعندما فقد بنيامين أبيضت عيناه من الحزن وقال: “إنما أشكو بثي وحزني إلي الله” واعتزل الناس؛ هل كان معترض على قضاء الله؟ وعندما توفي عم الرسول أبو طالب وزوجته خديجة بنت خويلد في عام واحد سمي هذا العام بعام الحزن. هل كان معترض على قضاء الله؟
وعندما كانت تلد السيدة مريم المسيح عليه السلام وكانت تفكر فى الكلام الذي سيقال عنها مع ألم المخاض قالت: “ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا” هل كانت قانتة من رحمة الله؟
وعندما كان سيدنا نوح ينادي أبنه ورأه وهو يغرق فى الطوفان حرن عليه فقال له الله: “إنه ليس من أهلك” وحزن عليه سيدنا نوح ولكن هل كان غير راضى بقضاء الله.
وسيدنا أيوب هل كان يضحك وهو يفقد أهله وفقد ماله وصحته؟ كلا كان حزينا ولكنه كان راضياً.
لقد وضع بنا مشاعر الحزن بنا من المشاعر الست الأساسية، وإذا كتمناها تتحول إلي غضب شديد، فنحن لا نتحكم في حزننا ولكن نتحكم فى غضبنا.
وقد رأيت في يوم من الأيام عبارة وقفت أمامها كثيراً، وهى: “الصبر هو أن لا يعلم الناس أنك حزين قط” وهذه العبارة أجدها خاطئة جداً؛ لأن إذا لم تحزن على فقيد فأنت غير طبيعي وقلبك قاس لدرجة أنك لا تشعر بما يحدث لك.
وإذا لم تحزن على نفسك لما يحدث لك في حياتك من أقدار ومن أذي الخلق ومن مرض فمن سيحزن عليك؟!
وإذا لم تحزن على ولدك لما يعانيه فهل أنت تحبه؟
فإذا كان الله وضع بنا مشاعر الحزن فهل يسلب منا حق استخدامها؟
وهو وضعها بنا حتي نستخدمها الاستخدام الصحيح، ومن حقك كإنسان أن تحزن وأن تأخذ وقتك في الحزن حتي لا يقسى قلبك على نفسك وعلى من حولك وتكون إنسان، فأستسلم له وأبكي وأشعر بالضعف والوهن، وألجأ للقوي المتين ومن ثم قم وأكمل حياتك نعم يحزنك أمر جلل ولكن لا تتوقف فالحياة مستمرة وإن انتظرت حتي يذهب عنك كل بأس فلن يذهب، فسوف يأتيك ظروف غيره تسبب لك الحزن.
مثلاً إذا ظلمك أحدهم ظلم يسبب لك الحزن فيكون المشهد كالآتي هو يضحك لأنه تجبر عليك ويتملكه الشيطان ويزين له أعماله وأنت تجلس علي فراشك تبكى وأنت تضم رجلك علي صدرك وتقرر أن توقف حياتك، وكلما قمت تذكرت وتشعر أن الحزن يتملكك وإن عليك أن تظل تبكى وتبكى.
هنا أبكي وأصرخ واستنفذ قواك كلها فى البكاء واستخرج كل ما بداخلك حتي تصبح مثل الوعاء الفارغ حتي تستطيع ملئه مجدداً، وقم وأنت فارغ حتي تستطيع التحرك وتحرك وأمضى وأترك ظالمك إذا كان إنتقامك سينقص منك، ووجه هذا الانتقام لتحسين نفسك فعندما تري تقدمك ستكون أنتقمت منه أروع إنتقام وتفرح أنت لتقدمك هذا وكلما تذكرت ألم الماضى نظرت لحالك الجديد فتفرح وأأكد لك أن ظالمك يراقبك فيحزن كثيرا لتقدمك هذا.
فالحزن ليس قنوط أو يأس من رحمة الله، وكل شخص يتحمل بلاء على قدر تحمله، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

مقالات ذات صلة
زر الذهاب إلى الأعلى