آراء ومقالات

كلمة والسلام 

 

 

بقلم: سعيد الخولى 

 

جورج جرداق والإمام على

حين غنت أم كلثوم عام 1968قصيدة “هذه ليلتى”صعد إلى سطح النجومية معها مؤلف الأغنية الشاعر اللبنانى جورج جرداق الذى بات بين ليلة وضحاها نجما من نجوم الكلمة الشعرية فى العالم العربى .فلم تكد الأغنية تقدمها أم كلثوم ليلا حتى كانت ملايين عشاق فنها يرددون صباحا”هذه ليلتى وحلم حياتى بين ماض من الزمان وآتى”منغمة بلحن عبد الوهاب المتميز .

ولم يكن جورج جرداق بالنكرة قبلها فهو الكاتب الشاعر الفيلسوف ذو المؤلفات العديدة ، لكنه هو ذاته اعترف أكثر من مرة بأن كلماته بصوت أم كلثوم أكسبته المعرفة والصيت الذائع من المحيط إلى الخليج. وتنبه الكثيرون لذلك الشاعر من قصيدته الرقيقة العميقة الجزلة السهلةعلى وقع أنغام مكنت لها الترديد السريع،ولم يدر كثيرون أنهم أمام حدوتة تستحق الرواية والحكاية والتوقف المستنير اسمها جورج سجعان جرداق (1931ـ 2014).

………

كلما بي عارض الخطب ألّمّ.. وصماني من عنا الدهر ألم

رحت أشكو لعلي علتي.. وعليٌ ملجأ من كل هم

وأنادي الحق في أعلامه.. وعلي علم الحق الأشم

فهو للظالم رعد قاصف.. وهو للمظلوم فينا معتصم

وهو للعدل حمى قد صانه.. خُلق فذً وسيفٌ وقلمُ

من لأوطان بها العسف طغى.. ولأرض فوقها الفقر جثم

غير نهج عادل في حكمه.. يرفع الحيف إذا الحيف حكم.

تلك الأبيات فى الإمام على بن أبى طالب هى أيضا للشاعر جورج جرداق المسيحى الذى شدته شخصية الإمام كرم الله وجهه منذ أهداه شقيقه الأكبر كتاب “نهج البلاغة” للإمام على بن أبى طالب وقرأه بنهم واتجهت عيناه وعقله تجاه شخصية الإمام ليقدم فضلا عن دواوينه الشعرية منجزا فكريا كبيرا عبارة عن 

موسوعةعن الإمام علي تقع في خمسة مجلدات بعنوان (الإمام علي صوت العدالة الإنسانية). المجلد الأول بعنوان (علي وحقوق الإنسان): الذي أثبت فيه بالدلائل الساطعة أن علياً سبق مفكري أوروبا والعالم إلى إدراك الحقوق بمفهومها الثابت، وإلى إعلانها، قبلهم بقرون عدة

المجلد الثاني بعنوان (بين علي والثورة الفرنسية) وفيه تأكيد على السبق الذي حققه الإمام على فلاسفة الثورة الفرنسية والتي استمرت من 1789 حتى 1799 ونعرفها بـ (الثورة البرجوازية في فرنسا ثم انتشرت في كل أوروبا).المجلد الثالث بعنوان (عليّ وسقراط) سقراط هو أبو الفلاسفة.

المجلد الرابع بعنوان (علي وعصره).المجلد الخامس بعنوان (علي والقومية العربية). وكتب جورج جرداق ملحقاً بعنوان (روائع نهج البلاغة).

أما لماذ هذه الكتب عن على بن أبى طالب بالتحديد فيجيب جورج فى حوار له بأن الإمام علي ابن أبي طالب ‫كان علي نموذجا وهو يؤسس في دولته إلى العدالة ولأن ‫علي كان استاذ عصره وجيله في الحكمة والفلسفة بل استاذ الاجيال التي تعاقبت من بعده. وقال: … لقد عرض عليّ بعض الناس من دول الخليج العربي ومصر ان اكتب في شخصيات أخرى .. لكنني رفضت ليس لأنني أرى أنهم لايستحقون الكتابة عنهم.. لكنني لم اجد من هو اهل بعد علي للكتابة، فعقرت قلمي في ان اكتب لشخص غيره…وهو ما حدث بيني وبين علي.‬‬‬‬‬‬

ويبقى لغناء أم كلثوم لقصيدته قصة سجلها ملحنها محمد عبد الوهاب بقوله “إنّ في شعر جورج جرداق من الموسيقى ما لا يستطيع اللحن أن يجاريه، أو يدانيه”، و كان عبدالوهاب قد أقام في صيف العام 1967، عاماً كاملاً في لبنان، وسكن إلى جوار جورج جرداق، وذات يوم، قال عبدالوهاب لجورج جرداق: “تحدثت اليوم مع أم كلثوم عبر الهاتف، وسألتني عنك وعن إطالة غيابك عن مصر. تهديك تحياتها وتريد منك أغنية للموسم الجديد”، ويروي جرداق: “صار كل ليلة يسألني أين أضحت القصيدة؟ وفي إحدى الليالي، وكان معنا يوسف وهبي وإحسان عبدالقدوس ونجاة الصغيرة وفريد الأطرش، وشوشني عبدالوهاب بأن نخرج إلى الشرفة المطلّة على الوادي. وهناك رحت أدندن بعض أبيات الشعر، فطلب إليّ أن أعيدها على مسمعه، وصاح هذه القصيدة التي نبحث عنها”. وكان يحلو دائماً لجرداق الحديث عن هذه الأغنية وعن مدى ارتباطه بمحمد عبدالوهاب سواء في القاهرة أو بيروت، ومدى عشقه لصوت أم كلثوم التي كانت دائمة الاحتفاء به عندما يحط رحاله في القاهرة، فتدعوه إلى بيتها وتستمع إلى المزيد من أشعاره وتسمعه الجديد من أغنياتها.

كان حقا زمنا ثريا متميزا فى جدّه ولهوه وترفيهه وضرورته

زر الذهاب إلى الأعلى