

كيف أصبحت “الثانوية العامة” وحدة قياس النجاح في مصر
تقرير: غدير سامي
منذ زمن بعيد، صنع المصريون شبحًا يستخدمونه ليرعبون به أنفسهم وأولادهم وأطلقوا عليه لقب “الثانوية العامة“، في الوقت الذي يمكن اعتبارها مرحلة تعليمية مكونة من ثلاث سنوات يمكن للطالب أن يتخطاها دون هذا الكم الهائل من الرعب.
لطالما اعتبر المصريون مرحلة “الثانويه العامة” هي الفيصل في تحديد مدى النجاح والفشل عبر القادم من الأيام بالنسبة لأبنائهم، وهي نظرة ضيقة لا يمكن اعتمادها بعد هذا الكم الهائل من التقدم العلمي الذي غزا العالم. 

ويؤكد خبراء أننا نحتاج إلى إعاده ضبط ايقاع المجتمع وتصحيح مفاهيمه المغلوطه حول العلم والتعلم وحول كيفيه التفوق وتحقيق الذات وإلا سيكون النجاح بهذا الشكل لا يعدو أن يكون مجرد حبر على ورق ومجرد أرقام ودرجات علمية لا أكثر للزهو والعجب والخيلاء.

ضغوط نفسية
في عام 2020، كشفت دراسة أن تلاميذ المدارس الثانوية يعانون من مشاكل صحية نفسية كبيرة، وخصوصا الفتيات ، حيث قام باحثون من جامعة يورك البريطانية بفحص بيانات الاستبيان حول الصحة العقلية من أكثر من 6300 تلميذ في المدارس الثانوية، ووجدوا أن واحدًا من كل سبعة تلاميذ كان يعاني من مشاكل نفسية مثل القلق وضعف الحالة المزاجية.
وحسب جريدة الديلى ميل البريطانية، قال الباحثون إن هناك حاجة إلى مزيد من الاستثمار في خدمات الصحة العقلية في المدارس لتطوير الدعم الموجه الذي يسهل الوصول إليه للطلاب المحتاجين للمساعدة.
قال المؤلف الرئيسي، البروفيسور باري رايت، إن الدراسة تؤكد أن أطفال المدارس الثانوية يعانون من مشاكل نفسية أكثر من أي وقت مضى، حيث يواجه شباب العصر العديد من الضغوط ، من” التفوق الأكاديمي “المتوقع منهم في المدرسة ، إلى الفقر الذي تفاقم بسبب التقشف والضغوط الاجتماعية.
وتكثر عوامل اكتئاب الثانوية العامة، ليبقى أهمها الضغوط التي يمارسها أفراد الأسرة على أبنائهم، إما بطرق واضحة مثل التقييد والإلحاح على المذاكرة وملاحقاتهم بأخبار الامتحانات، أو بطريقة غير مباشرة باعتبار أن نجاح الابن هو ما يسعدهم، وأنهم يجب أن يكونوا أفضل من أقرانهم.
حالات انتحار
كالعادة كل عام مع بداية إعلان نتيجة الثانوية العامة، تشهد العديد من محافظات مصر حالات انتحار لطلبة الثانوية العامة، بسبب خوفهم قبل ظهور النتيجة أو بسبب عدم حصولهم على مجموع يؤهلهم للكلية التي يحلمون بها.

وشهدت بعض محافظات مصر 9 حالات انتحار لطلبة ثانوية عامة 2023 على مدار الأيام الماضية، وتعتبر حالات الانتحار هذا العام هي الأعلى رقمًا عن الأعوام السابقة، مما يشير إلى ظاهرة خطيرة، تشير إلى وصولنا مرحلة من فوبيا الثانوية العامة لا مثيل لها على مستوى العالم.
أسطورة القمة
رغم اختلاف سوق العمل بسبب التقدم التكنولوجي، يجرى الجميع ويلهث وراء أوهام كليات القمة، التى مازلنا نقدسها، ورغم أن الكثيرين من خريجيها لا يزالون عاطلين لا يجدون عملا يناسب مؤهلاتهم، ومنهم خريجو طب وهندسة وإعلام وصيدلة وسياسة واقتصاد.
ومن أهم العوامل التي يتم بها تحديد كليات القمة، هي: النظرة المجتمعية والعائد المادي المنتظر والمستقبل المهني، ولكن ما هو ترتيب هذه العوامل من الأهم ثم الأقل أهمية؟، الترتيب يعتمد على المجتمع ففي دولة لا تحتقر مهنة عن أخرى تكون النظرة المجتمعية في آخر القائمة، أما الترتيب عندنا في مصر هو النظرة المجتمعية ثم المستقبل المهني ثم العائد المادي.
الدليل على ذلك نسبة البطالة العالية بين المهندسين والأطباء ومازالت كليات الطب والهندسة هي كليات قمة، دليل آخر أن أغلب الجامعيين يقبلون العمل في وظيفة معيد مع عائدها المادي القليل ولكن مستقبل لقب الأستاذ الجامعي له بريقه في المجتمع حتى وإن لم يكن له نفس البريق المادي.
النجاح خارج كليات القمة
يمتلئ سوق العمل بنماذج ناجحة لم يكن لها نصيب كبير فى حصد درجات عالية فى الثانوية العامة، وبعضهم لم يكن لمؤهلاتهم علاقة بالمهن التى عملوا فيها.
ونجد الكثير من خريجى كليات الآداب والتجارة والمعاهد وجدوا فى أنفسهم مواهب فنية فحصلوا على دورات تدريبية فى فنون الجرافيك أو التصوير أو المونتاج، واختاروا هذه المهن ليعملوا فيها وحققوا فيها نجاحات، ومنهم من أسس مشروعات خاصة، وكثيرون نموا قدراتهم فى البرمجيات، وتفوقوا وحصلوا على وظائف جيدة لا ترتبط بمؤهلاتهم.
ومن هنا يمكن التأكيد أن المسؤولية الأولى تقع على ولي الأمر، فيجب أولا أن نحرر أولادنا من قهر الثانوية العامة، والتحرر من أوهام نسميها كليات القمة ولا نجبرهم على الدوران فى ساقية المجموع والوجاهة الاجتماعية للكلية التى نريدهم أن يلتحقوا بها، بل يجب أن ندعهم يفتشون عن مواهبهم ويعبرون عن رغباتهم ويحققونها.
أما طالب الثانوية العامة فلا تنظر فى اتجاه واحد ولا تضع عينيك على كليات القمة فقط، ولا تر نفسك فاشلا إذا لم تلتحق بها، ولا تشعر بالقهر إذا لم تحصل على مجموع كبير، فنجاحك فى الحياة والعمل لن يتحقق بدخولك كلية معينة ومن دونها ستفشل، فالحياة مليئة بالتجارب الناجحة الخارجة عن السياق.
العالم حولنا يتقدم والتجارب الغربية أثبتت نجاحها العلمي والتنويري وتقدمها التكنولوجي الذي يكاد أن يسبق الزمان.
وأصبح التغيير العلمي والتنوع الدراسي والمعرفي “فطرة كونية” يجب السير في ركابها فليس العيب أن نكرر التجارب التعليمية حتى ننتقي الأصوب والأصلح والأنسب ولكن العيب كل العيب أن نظل أسري نظامًا تعليميا واحدًا ومعقدًا.









