

بقلم
كريمة الهواري
هل يعقل ونحن نعيش فى القرن الحادي والعشرون
فى أزهى عصور التكنولوجيا والتقنية الحديثة والتحول الرقمي
وهناك من لا يكتب ولا يقرأ ؟؟
قبل عدة سنوات مضت وتحديداً سنة ٢٠١٦،كانت نسبة الأمية فى مصر قد بلغت ٣٣%، هذه مشكلة
ولكن المشكلة الأكبر فى ذلك الوقت أن الصعيد وحده كان له نصيب الأسد منها فكان يمتلك ٢٤% من إجمالى هذه النسبة،
ومن أكثر المحافظات التى كانت تكثر بها الأمية هى محافظة “قنا”
وهناك عدة أسباب تعود لهذه النسبة المرتفعة بالصعيد،
منها ( الفقر الشديد..الزواج المبكر..القبلية)
أكثر ثلاث أسباب ، أو ( ثالوث الكوارث)
(القبلية)..وهى لمن لا يعلم تعنى التمّسك بالعادات والتقاليد عبر عدة أجيال رغم إختلاف الزمان والمكان ، فكان عدم تعليم البنات فى بعض القرى من ضِمن هذه العادات
بل أن هُناك قبيلة كاملة تتمركز فى ست قُرى بقنا
ومن أكثرها محافظة على تلك العادات والتقاليد،كانت تمنع تعليم البنات
قيل .. يرجع ذلك بسبب عهد أخذه الجدّ الأكبر لهذه القبيلة على أبنائه وأحفاده منذ أكثر من مائة وخمسين عاماً بعدم تعليمهنُْ،
فى إعتقادهم أن خروج البنت أو المرأة من منزلها عاراً على أهلها.
السبب قد يبدو غريب ولكن هذه حقيقة.
كل ما سبق ذكره كان يُنذر بمؤشرات خطيرة وعواقب وخيمة،لو أنها تُركت المشكلة برمتها ولم تعالج من الجذور
وقد كان .. وما حدث كان العكس
على مدار السنوات الماضية بدأت الدولة بوضع خطة إستراتيجية والعمل بها على قدم وساق للقضاء على تلك الظاهرة،بالشراكة مع منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية و وزارة التعليم العالي
تحت شعار مصر خالية من الأمية بقدوم عام ٢٠٣٠.
وفى عام ٢٠٢٢ كانت النتائج مُبشرّة
وفقاً لما أعلنه الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء أن النسبة الإجمالية بلغت ٢٥.٨ % وفى٢٠٢٣ وصلت إلى ٢٣.٢% وهذا يعنى إننا على الطريق الصحيح.
هناك قصة قصيرة للكاتب البرازيلي باولو كويلو ..
تقول… ” كان الأب يحاول أن يقرأ الجريدة ولكن ابنه الصغير لم يكفّ عن مضايقته..وحين تعب الأب من شغب إبنه قام بشقّ ورقة من الجريدة مطبوع عليها خريطة العالم ومزقها إلى قطع صغيرة،وطلب من إبنه أن يعيد تجميع الخريطة ظناً منه أن الولد سيضيّع يومه كل فى جمعها،إلا إنه لم تمُّر خمسة عشر دقيقة حتى عاد الولد وقد أعاد ترتيب الخريطة،فتسائل الأب مذهولاً..هل كانت أمك تعلمك الجغرافيا ؟ فردّ الطفل قائلاً – لا .. لكن كانت هناك صورة لإنسان على الوجه الآخر من الورقة..وعندما أعدت بناء الإنسان أعدت بناء العالم
واضح أن القصة من نسج خيال الكاتب تحمل إسقاطاً على الوضع العام.
لكن فى باطنها معنى عميق ألا وهو كما يُقال
بناء الإنسان قبل بناء الأوطان.
الإنسان هو النِواة الحقيقية للتنمية المستدامة،بشرط أن تضعها فى أرض مُخصّبة نفسياً وفكرياً و إجتماعياً.
من يلقى نظرة سريعة عن النهضة الإقتصادية لماليزيا بقيادة رئيسها وزرائها الأسبق المُحنّك مهاتير محمد .. وكيف أن سياسته وتنمية بلاده ونهضتها كانت مرهونة على المواطن والإستثمار فيه من أجله..منه وله،والذى بدأها بالتعليم أولاً،بفضل تلك السياسة أصبحت ماليزيا فى مقدّمة الدول ذات الإقتصاد الأقوى عالمياً.
كل هذه المقدمة
لأشارك سعادتى بأقوى إنجاز بنظرى تحقق فى محافظة قنا ٢٠٢٣ “مكتبة مصر العامة “
بعد مجهودات ومعاناة لسنوات طويلة لمحاربة الجهل والعادات والتقاليد،
الوضع إختلف وتغيّر مئة وثمانون درجة عن ما قبل..اليوم تم رمي البذرة الأولى من بذور التنمية وتعيش محافظة “قنا” نقلة ثقافية وحضارية إتأخرت كثيراً
بعد إفتتاح مكتبة مصر العامة فى يونيو الماضى
والذى كان بمثابة عُرس ثقافى لأبناءها
وإحدى الإنجازات العظيمة فى قنا التى طالتها أيادى التطوير مؤخراً،بعد وضع الصعيد على خريطة الجمهورية الجديدة
تحتوى المكتبة على أربعة عشر ألف كتاباً ( كبداية )
فى مختلف المجالات للباحثين والدارسين والطلبة وأيضاً للهواة ومُحبي للقراءة،
بإشتراك رمزى يُجدد سنوياً يناسب جميع الفئات ويتفاوت حسب الأعمار
قيمته لا تُذكَر مقابل المميزات والخدمات التى تقدّمها
من مِنح تدريبية وأنشطة ثقافية وترفيهية متنوعة و و و و و..!!
بالإضافة إلى مشروع أتوبيس مكتبة مصر العامة المتنقلة
الذي يجوب المدن والقرى النائية وإتاحة الفرصة ونشر الوعى والثقافة للجميع
حقاً…..
” عندما تعيد بناء الإنسان فأنت تعيد بناء العالم “.






