

بقلم: عبد المجيد حسن خليل
لم تكن كلمة النوبة معروفة ومتداولة فى التاريخ القديم وكان يطلق عليها “تا– سيتى” أى أرض القوس او الأرض المقوسة، وعرفت كلمة النوبة فى القرون الأولى لميلاد المسيح أي فى اوائل التاريخ الميلادى، ويقول المؤرخ الإغريقي دوروس سيلكيلوس أن النوبيين هم أول السلالات البشرية على الأرض وأطلق الإغريق على النوبيين “الاثيوبيين” أى أصحاب الوجوه السوداء،
ويقول الطبرى فى تاريخ الرسل والملوك أن النوبيين سلالة “نوبة بن حام بن نوح” ويقول المسعودى فى مروج الذهب أن حام بن نوح كان له ابن يسمى كوش وهو الجد الأعلى للنوبيين وابن آخر يسمى مصرايم وهو الجد الأعلى للمصريين، وأجمع علماء الاثار والمصريات على أن النوبة الحالية هي نسل وجزء أصيل من قدماء المصريين واستقروا طويلا فى جنوب مصر، وحدد علماء الآثار والمصريات مراحل تاريخية وثقافية لبيان أصول وجذور النوبة وأحوالهم فى هذه المراحل، ففى العصر الحجرى “عصر ماقبل التاريخ”
دلت الجبانات وفحص الهياكل البشرية فى وادى النيل على وجود النوبة فى تلك المنطقة وتم اكتشاف بعض أدوات الصيد من النيل وبعض الفؤوس والأدوات الفخارية والرماح ذات الرؤوس المدببة مما يدل على أنه كانت هناك حياة للنوبيين، وفي عصر الأسرات 1-3 كانت النوبة قليلة السكان ولكن مظاهر الحياة تبين أن الشمال والجنوب كانا سلالة واحدة وكانت طريقة دفن الموتى واحدة من حيث وضع الميت وتنسيق الأوانى حوله، ووجد في جبانة “قسطل” بعض الأواني الفخارية والحجرية المصنوعة من الألباستر كالتي كانت تستعمل في مصر شمالًا، واطلق ملوك الأسرة الأولى على النوبة اسم “ايونتيو” وهو أقدم اسماء النوبة ومعناه الرماة،
وفى عصر الأسرات4-6 أطلق الملك بيبي الأول على بلاد النوبة فى الجنوب أسم “واوات” وتعنى بالمصرية القديمة البعيدة
وفى هذا العصر زاد التعاون وتحسنت العلاقة بين مصر شمالًا والنوبة جنوبًا وعملت مصر على إستغلال المحاجر والمناجم وكافة الموارد الطبيعية خاصة الأخشاب المستخدمة في صناعة السفن، فى نهاية هذا العصر ساءت الأحوال فى مصر شمالاً لضعف الملك بيبي الثانى ولكبر سنه و فقده السيطرة على الجنوب وعمت الفوضى والقلاقل بلاد النوبة .
وفى عصر الأسرات 7-16 تميز هذا العصر بهجرة قبائل الصحراء الغربية الى النوبة واستطاع ملوك هذه الأسرات من إعادة النظام بعد فترة اضطراب وفوضى فى الشمال وفى النوبة جنوباً وتم استخدام النوبيين كجنودفى الجيش المصرى وحرص ملوك هذا العصر على عدم الإثارة فى النوبة وعاش النوبيون بعيدًا عن التاثير الثقافى والحضارى فى مصر وفى نهاية فترة حكم الأسرة الثانية عشر التى اتسمت بالضعف تكونت فى النوبى العليا فى السودان قوة عسكرية سميت “كوش” تحولت الى دولة وحاولت السيطرة على النوبة المصرية “واوات” وفى عصر الأسرات 17-30 وفى عهد الملك احمس أول ملوك الاسرة الثامنة عشر نجح فى طردالهكسوس من مصر وأعاد النوبة المصرية “واوات”الى حكم مصر وتم إخضاع “كوش” النوبية السودانية إلى قبضة مصر، وفى فترة حكم ” تحتمس الثالث” حرص على إعادة الإستقرار إلى النوبة المصرية
وازدهرت الصناعة وأنتجت النوبة الذهب وغيرها من المعادن وانشأ تحتمس الثالث فى بلاد النوبة معبد “عمدا”، وفى عصر رمسيس الثانى عادت القلاقل والإعتراضات فى النوبة المصرية فأرسل رمسيس الثانى حملة بقيادة ابنه مرنبتاح للنوبة و تم اسر عدد كبير من النوبيين ثم عاد الهدوء مرة أخرى للنوبة وأقام رمسيس الثانى عدة معابد فى النوبة منها بيت الوالى ومعبد جرف حسين وبنهاية الاسرة العشرين قويت شوكة النوبة المصرية والسودانية اثر انقلاب الاوضاع السياسية فى مصر شمالًا فترة طويلة واستغلت النوبة هذا الوضع وتقدمت بحكامها شمالا نحو مصر وحكموها مكونيين الاسرة 25 النوبية وأسس هذه الأسرة الملك “بعنخى” ونصب أخيه ” شباكا” لحكم مصر وخلفه “شباتاكا” ثم جاء بعده الملك النوبي “طهراكا” الذى تولى حكم مصر والنوبة العليا والسفلى وهزم الاشوريين الذين أغاروا على مصر وأستمر حكم طهراكا لمدة 20 سنة ازدهرت خلالها العمارة وتم بناء عدد من الأهرامات ومع مرور الوقت ضعف حكم طهراكا واصابه الغرور واستغل بسماتيك الاول الوضع واستطاع استرداد طيبة من ايدي النوبيين وتأسيس الاسرة 26
وتولى بعده بسماتيك الثانى الذى قضى على النوبة العليا “كوش” واستولى على عاصمة كوش ” نباتا” وانتقلت العاصمة بعد ذلك الى “مروى”، وأغار الفرس بقيادة “قمبيز” على مصر وهزموا الملك بسماتيك الثالث وأراد قمبيز أن يتوسع جنوبًا نحو النوبة المصرية وارسل بعض رجاله محملين بالهدايا لملك النوبة الذي رفض الهدايا لشكه فى نوايا قمبيز وطرد رجاله، اثار ذلك ملك الفرس الذى ارسل جيشاً لمحاربة النوبة ولكن هذا الجيش فوجئ بعوامل جوية قاسية وتعرضوا للموت جوعاً وعطشاً فى الصحراء، فى هذه الفترة انقطعت الاتصالات بين الشمال والجنوب وتراجعت الحضارة المصرية فى النوبة واصبح للنوبة حضارة محلية وانقطع التأثير المصرى على بلاد النوبة وان استمرت بعض تأثيرات اللغة المصرية القديمة والتى استخدمها النوبييون واضافوا عليها بعض التغييرات .
وفى عصر البطالمة ساد الود بينهم وبين ملوك النوبة ونشطت التجارة فى عهد بطليموس الثانى وبنى البطالمة فى النوبة هيكل انس الوجود وهو على جانب عظيم من الروعة والجمال وفى عصر الملكة كيلوباترا تمكن الرومان من هزيمتها وخضع النوبييون لنفوذ الرومان الذين اهتموا بالنوبة سواء “واوات” او “كوش” وشيدوا فى بلاد النوبة المعابد والحصون،
وكانت العبادة فى بلاد النوبة وثنية ومارسوا عاداتهم وتقاليدهم الدينية من منطلق الوثنية واتسمت مناحي حياتهم من ميلاد ووفاة وغير ذلك بأعراف وتقاليد وثنية، إلى أن اصدر الامبراطور ثيودوسيوس الأول فرماناً بمنع العبادات الوثنية فى مصر شمالًا وفى النوبة جنوبًا،
ولم يقتنع كثيرًا من النوبيين بقبول المسيحية ديانة رسمية لهم وتحدوا الرومان، قاد مكسيموس القائد الرومانى جيشًا كبيرًا وحارب النوبيين وانتصر عليهم وفرض عليهم شروطاً قاسية مقابل تركهم فى عبادتهم الوثنية والعيش فى أمان، وحضر المنصر الرومانى جوليان للتبشير ودعوة ملوك النوبة للديانة المسيحية واستجاب له ملك النوبة “سيلكو” واعتنق المسيحية ومعه جميع أفراد أسرته والمقربين وانتشرت المسيحية فى النوبة لإعتناق ملكهم المسيحية، انتمى مسيحيو النوبة للكنيسة المصرية، والحضارة النوبية المسيحية هى الحضارة الثقافية الممتدة تاريخيًا وتتميز بالصفة النوبية بمعنى إننا أمام موروثات واحدة ولغة واحدة مستمرة حتى الان
وتكونت هذه الحضارة من ثلاث ممالك مسيحية نوبية هى مملكة نوباتيا وتعرف كذلك بمملكة بلانة ومملكة مقرة او مغرة ومملكة الوا وكانت هذه الممالك ناطقة باللغة النوبية وكانت تكتب بالحروف القبطية مع إدخال بعض التعديلات وبلغت هذه الحضارة قمة ازدهارها فى القرنين التاسع والعاشر،
وحاربت الديانة المسيحية فى النوبة بعض العادات الوثنية التى كانت منتشرة، وادى ذلك الى عدم العثور على كثير من الاثار فى بلاد النوبة فى العصر المسيحي وإزدهرت الحضارة النوبية فى العصر المسيحي وظهرت لوحات وصور وزخارف بديعة زينت بها الكنائس وإنتعشت العمارة وشيدت الكنائس داخل المعابد الوثنية وشهدت النوبة تطور فى اساليب البناء وعاشت فى حالة رخاء وازدهار ونمو على كافة الأصعدة،
وعندما دخل الإسلام مصر ظلت النوبة على دينها المسيحي وحتى يطمئن اهل النوبة عقد معهم والى مصر عبد الله بن سعد بن ابى سرح اتفاقية سميت باتفاقية “البقط” تضمن للنوبة أن تعيش فى أمان وسلام دون إجبارهم على الدخول فى الإسلام بالقوة بشرط ان يحافظوا على المسجد الذى بنى فى النوبة وعليهم نظافته واسراجهورعايته وعليهم ارسال كل عام ثلاثمائة وستين من أهل النوبة نساء ورجال ليس فيهم عجوز ولامريض، اشداء اقوياء للعمل فى خدمة مقر الوالى فى مصر، وفى ذلك الوقت كانت للنوبة علاقة تجارية كبيرة مع بعض التجار العرب من الجزيرة العربية واليمن وهاجرت قبائل عربية كثيرة للنوبة للعمل فى التجارة ومن هذه القبائل قبيلة ربيعة وجذام وغيرها من القبائل اختلطوا بالنوبيين وصاهروهم
وساعد ذلك فى إنتشار الإسلام وشيدت المساجد وزاد رسوخ القبائل العربية فى النوبة وخاصة قبيلة ربيعة، توقف ملوك النوبة عن تنفيذ اتفاقية البقط وتوالت الحملات من ولاة مصر على النوبة لتفعيل الاتفاقية
وفى عصر المماليك حارب الظاهر بيبرس ملك النوبة داود الثانى وأنزل به هزيمة نكراء،وقاد البطش بالنوبة من بعده السلطان قلاوون وعزل الملك النوبى سيمامون وتولى بدلًا منه داود الثانى وتمت مراسم التتويج فى كنيسة المسيح بدنقلة، وبدأ السلطان محمد بن قلاوون حكمه بمعاداة ملوك النوبة وازاح الملك النوبى كرنبس وتولى مملكة النوبة “عبدالله سمبو” وهو موالى للمماليك ويعتنق الدين الإسلامى وتربى فى البلاط السلطانى فى مصر ويعتبر أول ملك نوبى مسلم، وساهم الملك المسلم فى اسقاط مملكة النوبة المسيحية وفى فترة الحكم العثمانى فر المماليك الى بلاد النوبة خوفاً من بطش جنود سليم الأول المسلمين وكانوا من الاتراك والمجر والاكراد والبشناق وتبعهم جيش سليم الأول الى النوبة واستقر بعض جنود سليم الأول فى النوبة وتزوجوا من القبائل النوبية الغنية التى تملك الأراضى الزراعية وانجبوا ذرية مسلمة تعيش فى بلاد النوبة حتى الان، ومع مرور الوقت إنتشر الإسلام فى كل بلاد النوبة واصبح كل اهلها يعتنقون الدين الإسلامى.

