حكايات

مقصوفة الرقبة” بنت الشيخ البكري !

 

يكتبها: د.محمود عطية

زينب البكرية ابنة خليل البكرى نقيب الأشراف وقت الحملة الفرنسية 1798م..تجمعت حولها كل مآسى الحياة لانفتاحها نفسيا على الدنيا وحبها للحياة، وقد كلفها ذلك أن تم الزج بها داخل أتون الشائعات التى أودت “برقبتها قصفا” فى محاكمة سريعة ظالمة، وقد تبرأ منها والدها تحت نير وضغط المشايخ وخوفًا على حياته.. وحتى الآن لم يعرف لها قبرًا..!

فقد اشتهرت زينب البكرية رغم حداثة سنها 16 عاما بجمالها وحسنها الفائق وتناسق جسمها وعشقها للحياة، فقد اعتادت على الضحك بصوت عال مع صديقاتها فى الطرقات فكانت مازالت فى طور الطفولة..لكن المجتمع كان لا يرحم ويرى أن ضحكها يعد جرما خاصة فى ذلك الزمان، حتى أن البعض رأى أنها كادت تشبه الفرنسيين في الانفتاح على الحياة فى مجتمع شديد التزمت..!

وقد أغضب ذلك بعض المشايخ المصريين خاصة أن زينب قيل أنها من أشراف مصر المنتسبين إلي الخليفة الراشد أبو بكر الصديق، وعمها نقيب الأشراف وشيخ السجادة البكرية.

نقيب الأشراف

وكان من المفترض أن يتولى أبوها نقابة الأشراف، لكن المشايخ وقفوا فى طريقه لعيب كما قيل فى الشيخ وهو ولعه بالغلمان كما جاء ذلك فى تاريخ الجبرتى ..وتولى بدلا منه الشيخ عمر مكرم الذى فر هاربًا بعد مقاومته للحملة الفرنسية..وانتهز ذلك الشيخ خليل وتقرب من نابليون وأصبح صديقًا له وتمكن من اعتلاء سدة نقابة الأشراف مما أوغل الصدور عليه.. وقد تعرض لمحاولة اغتيال يرويها الجبرتى حيث قال:(هاجمه أناس كثيرون وصفهم الجبرتي بـ المتهورين من العامة، فنهبوا منزله وهتكوا حرمة منزله وعَرَّوا البكري من ملابسه فضلا عن اعتدائهم على نسائه وسحبوه من بينهم مكشوف الرأس من الأزبكية إلى وكالة ذي الفقار بالجمالية وبها عثمان كتخدا الدولة، فشفع فيه الحاضرون وأطلقوه بعد أن أشرف على الهلاك).

وقيل أن نابليون قد تعرف على الفتاة الصغيرة زينب البكرية ابنة الشيخ وقبلها للعمل فى منزله.. وسريعا تم تسريب شائعة بوجود علاقة بينها وبين نابليون.. ومع ذلك لم يتوافر أى دليل ولا حتى شهود على تلك العلاقة غير الشرعية التي ألصقت بالفتاة.

وحين روى نابليون حكاياته مع عشيقاته لم يذكر من بينهن زينب البكرية بتاتا…لكن ربما صراع المشايخ بعد رحيل الحملة كان سببًا فى تلويث سمعة تلك الفتاة..فقد تولى الشيخ خليل البكرى نقابة الأشراف بسطوة وقوة نابليون. ويبدو أنه يدفع الثمن بعد رحيل الحملة فى قصف رقبة بنته وتجريده من منصبه.. وتم محاكمة بنته زينب بالشائعات فقط التى يفتى الشرع بتنفيذ تلك العقوبة فى حال وجود دليل شرعى وأربعة شهود، كما أنها لم تكن متزوجه حتى تقتل..!!

 

فحين رحل نابليون ثم غادرت حملته الفرنسية مصر 1801 م انصب الغضب على الشيخ خليل بسبب الشائعات التى طالت بنته زينب ورفيقاتها، فأرسل الوزير جنوده إلى بيت الشيخ خليل البكري، وسألوا زينب عن ما يشاع عنها فقالت خوفا ورهبة: “إني توبت عن ذلك”، والأب تبرأ من ابنته، والمثير انه لم يكن شائعا فى ذلك الزمان تعرض النساء لعقوبة الإعدام. ومع ذلك حكم عليها وتم قتلها بطريقة شديدة البشاعة فقد انتصبت واقفة ثم جىء من خلفها من قصف رقبتها ليا، لتصبح أول مقصوفة رقبة في تاريخنا.

تفاصيل المحاكمة

وقد سرد الجبرتي تفاصيل تلك المحاكمة قائلاً: (( وفي يوم الثلاثاء رابع عشرينه ـ أي في 24 ربيع الأول سنة 1216 هجرية، الموافق 4 أغسطس سنة 1801 ميلادية ـ طُلِبَت ابنة الشيخ البكري وكانت ممن تبرج مع الفرنسيس بمعينين من طرف الوزير فحضروا إلى دار أمها بالجودرية بعد المغرب وأحضروها ووالدها فسألوها عما كانت تفعله فقالت: إني تبت من ذلك فقالوا لوالدها: ما تقول أنت فقال: أقول إني بريء منها فاكسروا رقبتها ليا)).

ويكتب أحد الباحثين عن تلك المحاكمة :”إن قتل زينب البكرية هو حالة مرضية من الانحياز للذات المتعفنة بكل عجزها وتخلفها وتناقضاها والتي اختزلت وقائع الخيانة في “حادثة شرف”، ودون أن تلقي بالاً لما فعله خونة الأوطان من المتواطئين والموالسين والمدلسين..واصبحت زينب البكرية يضرب بميتتها المثل على البنت العائق “مقصوفة الرقبة”.

زر الذهاب إلى الأعلى