آراء ومقالات

لماذا تهجروها .. فإنه حقاً للبيوت أرواح { ٢ }

 

بقلم
كريمة الهواري

تُلاصِّق شجرة الجُمّيز بِنايّة صغيرة من طابقين،
حُكيَ لنا أن جدّتي الطيّبة رحمها الله كانت إمراة شديدة وقوية أو كما يقول المّثَل ( إمرأة تسّد عين الشمس ) ، فقامت ببنايتها وحدها دون مساعدة لتتخذها مكاناً لتربية الحمام

مقالات ذات صلة

بقيَ هذا المكان حتى بعد وفاتها بسنوات طويلة لنفس الغرض،ولأنّ البيت هو بيت العائلة الكبير الذى كان يلتحفه الحب ، ولم يعرف الكُره والضغينة والحقد يوماً إليه طريقاً
تطور الأمر وجائت إحداهُنّ بمجموعة من الفراخ ليقاسموا الحمام المكان والماء والطعام،بكل حُب وعن طيَّب خاطر

هذا المكان الذي لا يتعدى إرتفاعه ثلاثة أمتار،تجده مليء بخيرات الله،
إن صمت لحظة عن الكلام تسمع صوت الحمام الصغير (الزغاليل) فينشرح صدرك ،وكطفل يأخذك الفضول تُسرِع تمدّ بصرك داخل البِنايّة لِترىَ ما تسمع،لتتفاجيء بلوحة فنية تسُّر بها عينك
الزغاليل الصغيرة تطعمها أمهاتها وتحتويها،
وبيض الفراخ منثور فى كل جهة مثل الجواهر .. يا الله .. ما هذا الجمال

وعلى بُعد خطوات هناك فُرن بدائية مصنوعة من الطين،
عندما تشاهدها منذ الوهلة الأولى تجعلك في حيرة من أمرها
إن دققت النظر فى الناحية التى توقد فيها النار،
 يخيّل لكَ إنها تبكي
وإن نظرت إلى ناحية ما يوضع كل ما لذّ وطاب،
تظُّنْ إنها تضحك

هل هذا ترجمة لعقلنا الباطن؟
أم أنه رد فعل طبيعى كونها مخلوقة من طين مثلنا..تتأثر وتتألم وتبكي وتضحك؟

بالإضافة لذلك فهى شكلها عجيب وكأنها من أساطير الأولين،
نصفها مازال على هيئته الأولى بلون الطين لم يتغير كأنه لم تمسّسهُ نار
والنصف الأخر يغطّيِه السواد من آثار الدخان الخارج أثناء عملية تسخينها لتسوية الخبز أو أشياءٍ أخرى مثل البتّاو .. والفطير .. والمذبوبة و.و.و.و…!!!و أسماء وأنواع كثيرة حٌكيَ لنا عنها
 من خيرات الله التي كانت تُعجن بالمحبة وعرَق الناس الطيبّة

على اليسار تأخذك قدميكَ بشكل تلقائي ناحية
بلاّص قِناوى عتيق مملوءة بالمياه النقية المهيأة  للشُرب ( كبديل للزير )
أذكر إنه حتى من خمس سنوات مضت كان مازال البلاص موجود ،وكنت أذهب خِصيصاً من أجل الحصول على رشفة ماء طبيعية باردة،تروينى وتكفينى شر العطش،وتغنينى عن اللجوء إلى المياه المثلجة اوتوماتيكياً، أو ( المكهربة ) كما أحب أن أطلق عليها

آثر و رائحة الطيبين فى كل شيء حواليك
هنا وابور جاز،وهناك لمبة جاز عتيقة جدااااااً،هنا وهناك،هناوهناك و.و.و….
هنا المحبة والخير .. هنا اللُطف .. هنا الطيبة

ظل هذا البيت على حاله لم يتأثر كل هذه السنين الطويلة،كل شئ كما هو عليه
و السبب هو تمسك أكبر أفراد العائلة بالعيش فيه وعدم تركه،وبرغم الحداثة والتطوير لكنها ظلّت مُتمسكة به ، حتى جاء أحد أبنائها وبصعوبة شديدة أقنعها ان تذهب للعيش معه .. وقد كان.

الغريب إنه لم يمضى على تَركه شهراً حتى تهدمت جدرانه الصلبة الشامخة،
والله لو أنه لم يٌهجَر لبقيَ على حاله قرنً أخر،هو فقط لم يجد روحاً تؤنسه
“فإنه حقاً للبيوت أرواح”

يقطع شرودى وحزنى صوت وديع الصافي،وهو مازال يردد فى المقطع الأخير من الأغنية…!!

دارى الدمع يا عين
دارى دارى دارى
متزوديش الغيم فيه رب اسمه كريم
ساعة المحن ستّار
راحوا فين حبايب الدار
فين فين قولى يا دار
دار يا دار يا دار

زر الذهاب إلى الأعلى