آراء ومقالات

فصل غاب عنه القمر

بقلم: سعيد الخولى 

دخل موجه اللغة العربية ليجد التاريخ الهجرى غير موجود على السبورة، والتاريخ الميلادى مسجل بالأرقام دون اسم الشهر، فسأل بحسن نية:احنا فى اى شهر هجرى ياأولاد؟، وانتظر لحظات ليجيبه صمت الفصل كله بالمدرسة التجريبية..
وعاود الكرّة بسؤال تلاميذ الفصل الثالث الاعدادى:طب حد عارف الشهور القمرية؟، وتدافعت الأيادى تلاميذ. وتلميذات ليشير لطالبة كى تجيب، وأجابت وليتها ما أجابت:الشهور القمرية هي جانيواري وفبراورى وم…..، ولم يستطع الموجه أن يترك التلميذ المتحمسة لتكملة بقية الشهور القمرية بلغة انجليزية وبلكنة نصف عربية!
ولم يفقد الموجه الأمل فى تلميذ جهبذ يعرف الشهور القمرية أو تلميذة ناصحة تعرف الشهور العربية فقال :لا يابنتى أقصد الشهور الهجرية القمرية…
ولم تكسف خاطره تلميذة أخرى وطلبت السماح لها بالإجابة، فسمح لها طويل البال رغم صدمته، وفي سرعة طلقات طبنجة آلية انطلقت التلميذة : رجب وشعبان ورمضان والعيد..
أما الثالثة فقد اقتربت من الإجابة وهى تقول:أنا عارفة يامستر .
وانفرجت أسارير “المستر”وهو يلمح حماس الطالبة الصغيرة،صحيح أنها نادته بقولها يامستر،لكن لابأس فقد شطبت كلمة”يا أستاذ” من قاموس التعامل بين الطلبة والمدرسين،فمابالنا والمدرسة تجريبية تعامل اللغة العربية فيها معاملة ابن البطة السوداء.وبعد صمت قصير واستبشار كبير قال موجه اللغة العربية للطالبة:
ـ قولى يا ابنتى.
ـ احنا فى شهر شعبان.. قالتها وأردفت بسرعة:
ـ امبارح لقيت على صفحتى حد مشارك بوست بيقول فيه: أهلا شعبان وفى انتظار رمضان أجمل شهور العام.
وازدادت انفراجة أسارير الرجل ليطالب زملاء طالبته النجيبة بالتصفيق لها “سقفة كبيييرة”!
وتوتة توتة خلصت الحدوتة التى حيرت فصلا كاملا نسى مدرس اللغة العربية فيه ان يسجل التاريخ الهجرى على السبورة، أو لعله اعتاد ذلك.، والمصيبة الأسوأ ما همس به أحد مرافقى الموجه :تلاقى المدرس نفسه مش عارفها!
طبعا هى ليست مشكلة هذا الفصل وحده بل لعلها مشكلة أجيال حالية فقدت الاتصال بالزمن القمرى إلا مع رمضان والأعياد أو حتى الميلادى إلا فى الإجازات والمناسبات القومية والشخصية التى يجرى الاحتفال بها والتفاعل معها. فقدان التعامل مع الزمن والتوقيتات ليس غريبا فى غياب انتظام عملية تعليمية حقيقية بكثير من المدارس ،وفى ظل الاستهزاء بهذا الفقدان للزمن والشعور به.
تذكرت مع هذه الواقعة التى رواها لى أحد شهودها حادثة لها دلالتها وقعت معى وأنا بالفرقة الثالثة بكلية دار العلوم وخلال اشتراكنا فى مسابقة نوابغ الطلاب فى مواجهة كلية الإعلام على المركزين الثالث والرابع أن وجه إلى الفريقين سؤال: النهاردة كام فى الشهر الهجرى ومتى بدأ التاريخ الإسلامى ومتى انتهى؟
السؤال لعب على سرعة رد الفعل والانتباه إلى خدعته لدى الفريقين المتسابقين،وصحيح أنه أحدث ارتباكا بينهما لكن كان هناك من أجاب عنه بدقة وتغلب على خدعة بداية ونهاية التاريخ الإسلامى.
رغم كل الوسائط الحديثة فى العملية التعليمية لكن لابد من ربط التلاميذ بالزمن ويكفيهم غياب كثير من دقائق التعليم حولهم ،ومازلت أتذكر كيف كان معلمونا يتأنقون فى كتابة التاريخ أعلى السبورة يمينا ويسارا بخطوط جميلة تضع أذهاننا وقتها فى الزمان والمكان اللذين كنا نعايشهما بين جدران المدرسة

زر الذهاب إلى الأعلى