

بقلم: دكتور محمد رجب
ولما شكل الرئيس أنور السادات الحزب الوطني الديمقراطي اجتمع مع قيادات الحزب الجديد وكان منهم محمد حسني مبارك نائب رئيس الجمهورية وقتها , فلما عرض التشكيل لم يكن اسم فؤاد محيي الدين موجودا , وكان مبارك يعرفه عن قرب حيث كان مبارك مديرا للكلية الجوية في بلبيس بالشرقية وقت أن كان محيي الدين محافظا للشرقية . قال مبارك إن محيي الدين يتمتع بإمكانيات سياسية وكفاءة وطلب أن يتضمن تشكيل المكتب السياسي للحزب الوطني اسم فؤاد محيي الدين , فاستجاب الرئيس السادات لكنه عقب قائلا _ حسبما سمعت من شخصية مشاركة في الاجتماع _ فؤاد محيي الدين زعيم وأخشى عليكم منه , أما أنا فلا مانع عندي من ضمه للمكتب السياسي .
لكن وجود محيي الدين في عضوية المكتب السياسي للحزب لم يمنع من إبعاده عن التشكيل الوزاري . كان د. فؤاد وزيرا لشئون مجلس الشعب في حكومة ممدوح سالم الذي كان في نفس الوقت رئيسا لحزب مصر العربي الاشتراكي . وبعدما أنشأ الرئيس السادات الحزب الجديد كلف د. مصطفى خليل برئاسة الحكومة الجديدة . فكر السادات في إنشاء حزب جديد بعد أحداث 17 و18 يناير 1977 والتي سميت بمظاهرات الخبز . كان السادات قرر أن يزيد من أسعار بعض السلع ومنها رغيف الخبز . اجتمع معنا ممدوح سالم وكنت عضوا بالمكتب السياسي لحزب مصر وعرض علينا موضوع زيادة الأسعار فطلبنا منه إرجاء هذا الأمر وألحد محمد حامد محمود وكان وزيرا للحكم المحلي في طلب إرجاء الأمر , فدعا ممدوح سالم نائبه د. عبد المنعم القيسوني المسئول عن الاقتصاد ليشرح لنا الوضع ولما وجد أننا رافضون لزيادة الأسعار أكد لنا أن هذا القرار يرغب في تطبيقه الرئيس السادات نفسه . فلما احتدم الأمر وخرجت المظاهرات وجد السادات أن يتخذ من ممدوح سالم كبش فداء وأن يقيله وفي نفس الوقت كان من المناسب بعد تأسيس الحزب الجديد أن يتم تشكيل حكومة جديدة كلف بها د. مصطفى خليل .
تم إبلاغ محيي الدين بأنه سيتولى وزارة الصحة ولن يستمر وزيرا لمجلس الشعب , لكن إعلان التشكيل الجديد للحكومة لم يتضمن اسم فؤاد محيي الدين . تضايق محيي الدين وكان يبدي لأصدقائه ضيقه هذا حيث لم يجد مبررا لإبعاده عن منصب الوزير . اتصلت به لكي أخفف عنه وأطمئن عليه فوجدته منفعلا وقال : لماذا لا تتصل بي يا محمد , فقلت له : لقد اتصلت بك كثيرا ولم ترد , فصاح حزينا : مش صحيح , التليفون من ساعة ما خرجت من الوزارة لم يرن مرة واحدة , بينما عندما كنت وزيرا , لم أكن أنمكن من حلاقة _ ذقني _ على مرة واحدة وأنا أحب أن أرد على التليفون بنفسي . ثم هدأ وقال إنهم أبلغوه إنه سيتولى وزارة الصحة بدلا من مجلس الشعب , لكن التشكيل خلا منه تمام ولم يتولى الصحة ولا أي وزارة . سألني د. فؤاد : هل عندك أي معلومات عما حدث ؟ قلت : نعم لدي معلومات , فطلب مني أن أزوره في بيته لكي أحيطه علما بما حدث .
قلت له : كنت السكرتير العام لحزب مصر الحاكم وكان د. مصطفى خليل الأمين الأول للجنة المركزية المسئول عن توزيع تركة الاتحاد الاشتراكي العربي على الأحزاب الثلاثة , مصر والأحرار والتجمع . وقتها كنا نرى كأعضاء في حزب مصر أن هناك افتئاتا على نصيب الحزب من التركة وكنا نشكو لك , فتقوم بمخاطبة د. مصطفى خليل بلهجة تعنيف , ويبدو أن هذا الأمر ترك رواسب لم تمحوها السياسة . من قبل كان د. مصطفى قد يستمع وقد يستجيب , لكنه الآن صار يحمل لقب دولة رئيس الوزراء . سرح د. فؤاد للحظات وعاد ليقول : كنا سنخاطبه يا محمد باللقب الجديد ونبدي اللازم من التقدير .
كلمات د. فؤاد كانت معبرة عن شخصيته كسياسي محترف , فهو ليس عنيدا ولا يأنف من مجاراة الأوضاع ولديه من المرونة ما يجعله يتجاوب مع الظروف المختلفة وهو ما عاد به مرة أخرى بعد فترة قصيرة لتولي منصب رئيس الوزراء . كان محيي الدين قد ترك وزارة شئون مجلس الشعب وفي نفس الوقت ترك محمد حامد محمود وزارة الحكم المحلي .
خروج محيي الدين من الحكومة ترك انطباعا بأنه مغضوب عليه , وجاء خروجه مواكبا لتشكيل الحزب الوطني الجديد الذي كانت قيادته لا تتقبله كثيرا لذلك حاولوا نصب فخ له في انتخابات مجلس الشعب . كان محيي الدين عضوا بمجلس الشعب عن دائرة شبرا الخيمة مبتعدا عن دائرة عائلته كفر شكر وتاركا إياها لقريبه خالد محيي الدين . تمثل الفخ في دفعه للترشح في دائرة عائلته كفر شكر وبالتالي يفقد الاعتبار عند العائلة وإذا ترشح بالفعل فإنه إما سيفوز أو سيخسر وبالتالي يكون قد تم التخلص من أحد قطبي عائلة محيي الدين وتم زرع الفتنة في العائلة والدائرة . كنت حاضرا تلك الجلسة التي تم فيها تدبير المؤامرة لفؤاد محيي الدين ولم يكن من الشهامة والعلاقة بيننا أن أتغافل عما جرى في حضوري وألا أبلغه . وقد أبلغته بالفعل وغلفت الحيرة كلماته وهو يستشيرني عن التصرف المناسب لمواجهة الفخ .
اقترحت أن نلتقي لكي نتشاور في الأمر , ولم يكن هناك مكانا مناسبا للقاء سريع إلا في مكتبي بأمانة الحزب بشارع قصر العيني ولما وصل نزلت لاستقباله لكنه رفض الصعود معي لكن رآه عبد اللطيف بلطية أمين القاهرة فتساءل عن سبب حضوره فشرحت له أبعاد المؤامرة . اقترحت على د. فؤاد خطة لمواجهة وإجهاض المؤامرة . طلبت من مدير مكتبه يسري فايد وكان من القيادات الشعبية بدائرة شبرا الخيمة أن نبادر وننظم مؤتمرا موسعا بدائرة شبرا الخيمة وندفع بعض أنصارنا للحديث بصيغة العتاب والإلحاح في ترشحه بشبرا الخيمة , فيقوم أحدهم معاتبا : لماذا تريد أن تترك دائرتنا يا دكتور فؤاد ؟ هل أنت غاضب منا ؟ نحن نحبك ولا نريدك أن ترشح نفسك في غير شبرا الخيمة . تتوالى الكلمات والخطب بهذه الطريقة وتتصاعد إلى حد الإلحاح في المطالبة بإعلان الترشح في دائرة شبرا الخيمة , وتم تنفيذ هذا السيناريو بالفعل وتخطى د. فؤاد الفخ ونشرت الصحف بعناوين بارزة الخبر مما استفز المكيدون لمحيي الدين من داخل الحزب الوطني فرشحوا للدائرة ثلاثة مرشحين وليس اثنين فحسب , وكان المرشحان الآخران من العمال والفلاحين أي أن فرصهم في الفوز أكبر لكن محيي الدين استطاع أن يحقق الفوز من الجولة الأولى وجاءت الإإعادة بين المرشحين الآخرين .
بعد إعلان نتائج الانتخابات طلب الرئيس السادات أن يتولى د. فؤاد رئاسة لجنة العلاقات الخارجية وأن يتولى محمد حامد محمود رئاسة لجنة الحكم المحلي . رفض محمد حامد محمود رئاسة اللجنة , بينما تشاور محيي الدين مع أصدقائه وأنا منهم , ولما سألني عن رأيي في القبول برئاسة اللجنة , قلت له : هل تنوى العودة لممارسة مهنة الطب مرة أخرى ؟ قال : لا .. وسألته : إذن أنت في حاجة إلى مكان تمارس منه العمل السياسي والنيابي ويكون لديك مكتبك الذي تستقبل فيه من تتعاون معهم وكذلك أصدقاءك . بالفعل وافق على أن يكون رئيسا للجنة العلاقات الخارجية . ولما التقى الرئيس السادات مع محمد حامد محمود سأله : لماذا رفضت رئاسة لجنة الحكم المحلي ؟ رد قائلا : لقد كنت وزيرا لخمس سنوات ولا يصح أن أرأس لجنة في مجلس الشعب , فقال السادات : فؤاد محيي الدين كان وزيرا مثلك ووافق على رئاسة لجنة بالمجلس , عارف ليه , علشان هو سياسي .
كان د. فؤاد من أبناء عائلة محيي الدين بكفر شكر التي شاركت في ثورة يوليو 1952 باثنين من أبنائها البارزين في مجلس قيادة الثورة , البكباشي زكريا محيي الدين أحد أخطر العقول التنظيمية والذي أنشأ جهاز المخابرات المصرية ونظم الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب والتنظيم الطليعي , والصاغ خالد محيي الدين السياسي النزيه الذي صمد مدافعا عن مبادئه وما اعتقد أنه الحق . درس فؤاد الطب وتخرج متخصصا في مجال الأشعة واستمر في دراسته حتى حصل على درجة الدكتوراه عام 1969 , لكن في مشواره الدراسي كان هناك مواكبا مشواره السياسي حيث انخرط في عضوية اللجنة الوطنية للعمال والطلبة مكافحا ضد الإنجليز وفاز في انتخابات مجلس نقابة الأطباء واستمر عضوا وأمينا عاما من 1956 حتى عام 1965 واستمرت عضويته بمجلس الشعب حتى مماته في عام 1984 .
مرت حياته السياسية بمحطات عديدة , فقد كان أصغر أمين للاتحاد الاشتراكي لمحافظة القليوبية وعين محافظا للشرقية في عمر 42 عاما ثم محافظا للإسكندرية وبعدها للجيزة كما عين وزيرا للحكم المحلي . وتولى مسئولية المجلس الأعلى للشباب والرياضة وملف الإعلام لفترة . كل هذه الخبرات جعلت منه سياسيا من الطراز الأول من هؤلاء الذين رسموا ملامح السياسة الداخلية في مصر حزبيا وبرلمانيا ولن ينساهم التاريخ . لذلك ربما تعثر د. فؤاد أحيان , لكنه كان قادرا على النهوض مرات ومرات متمتعا بنفس سياسي طويل أوصله في النهاية إلى رئاسة الحكومة وهو أعلى منصب يمكن أن يتولاه أحد . ومن القصص التي تروى عنه أن زملاءه في كلية الطب كانوا يرون فيه أنه سيتولى منصب الوزير لكنه كان يؤكد لهم أنه سيتولى رئاسة الوزراء وهو ما حدث بالفعل . وكثيرا ما يسألني البعض : لماذا لم تتولى منصب الوزير بينما صديقك العزيز د. فؤاد محيي الدين كان يمكن أن يضمك للتشكيل الوزاري بسهولة . لم يتردد د. فؤاد في ترشيحي للوزارة أو لرئاسة المجلس الأعلى للشباب والرياضة , لكني اعتذرت . لذلك قصة , كان رئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة الصديق العزيز د. عبد الأحد جمال الدين وكنت مستشاره بالمجلس , وعندما عرض عليَ د. فؤاد رئاسة المجلس كان د. عبد الأحد محتجزا في المستشفى يجري جراحة . فاعتذرت , وقلت له إن د. عيد الأحد صديقي وأقابله عدة مرات يوميا وأكلنا معا عيش وملح , فلا يصح أن يتم تعييني خلال هذه الظروف التي يمر بها , ورغم أنك ستعين د. عبد الأحد في منصب آخر إلا أنني أفضل أن يكون التوقيت مختلفا . فقال لي : لا تقلق من ناحية عبد الأحد , فسوف يتم تعيينه في منصب آخر بالفعل , لكني كررت اعتذاري وكان حاضرا ذلك اللقاء النائب كمال الشاذلي , وبعد أن خرجنا من مقابلة رئيس الوزراء د. فؤاد , قال لي الشاذلي : يا خايب , حد يرفض يبقى وزير ! رئيس الوزراء يلح عليك وأنت ترفض وتقوله صديقي ولا أخونه , خليك كدة خايب .
ربما لم أعين وزيرا وعين زملاء وتلاميذ لي وزراء , لكني في راحة كبيرة لأني لم أنتهز الفرصة وأشعر بخيانة صديقي المرحوم د. عبد الأحد جمال الدين .
لم يمضي وقت طويل حتى قرر السادات إجراء تغييرات في المشهد السياسي الداخلي فأقال د. مصطفى خليل وقرر تشكيل حكومة جديدة برئاسته كما قرر أن يتولى د. فؤاد محيي الدين منصب النائب الوحيد لرئيس الوزراء والذي يقوم بتسيير العمال في مجلس الوزراء , وكلفه السادات أيضا بأن يتولى مقابلة المرشحين لتولي مناصب الوزراء .
بعد اغتيال السادات اجتمع المكتب السياسي للحزب كما اجتمع مجلس الوزراء ودارت مناقشات بشأن الرئيس الجديد وأكد د. فؤاد محيي الدين نائب رئيس الوزراء والقائم بعمل رئيس الوزراء أن الحكومة والحزب سيلتزمان بالدستور الذي ينص على أن يتم الاستفتاء على نائب رئيس الجمهورية ليكون رئيسا للجمهورية وهو ما يعني أن يكون الرئيس الجديد هو محمد حسني مبارك . تخوف البعض خلال المناقشات من أن يكون للقوات المسلحة رأي آخر وقال البعض إن الجيش ربما يرغب في ترشيح المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة للرئاسة . صمم محيي الدين على إعمال النص الدستوري فطلب الأعضاء منه أن يتصرف في هذا الشأن بما يجنب البلاد أي مشاكل . قام محيي الدين بإبلاغ المشير أبو غزالة بما دار فكان رده أنه ملتزم بالدستور وبكل ما هو في مصلحة البلاد .
وكان فؤاد محيي الدين أول رئيس وزراء في عهد الرئيس حسني مبارك . وفي عام 1984 أجريت انتخابات مجلس الشعب الجديد بنظام القائمة المطلقة وكان محي الدين على رأس قائمة محافظة القليوبية فقد كان رئيس الوزراء وأمين عام الحزب الوطني , وبعد انتهاء الانتخابات كان لي معه حديث مهم قبل وفاته بيوم واحد , سألته عما ينوي فعله في الفترة القادمة , قال إنه غالبا سيترك رئاسة الحكومة ويتولى رئاسة مجلس الشعب , وسألني عن رأيي في هذه الخطوة فقلت له لا بأس بها طالما إن صحته ليست على ما يرام , فأكد لي أن صحته جيدة لكنه منذ 14 شهرا يقاوم ضغوط صندوق النقد الدولي وشروطه التي يريد أن يفرضها على مصر . قال إنه راجع كل أحوال الدول التي تدخل فيها الصندوق فوجد أنها انهارت أو تعرضت لمشاكل لم تنجو منها , كما قال إنه يقاوم بمفرده لذا فهو يشعر بأنه خلال الفترة القادمة لن يستطيع وقف ضغوط الصندوق إذا استمر رئيسا للوزارة وبالتالي فمجلس الشعب سيكون موقعا مناسبا بعد أن يترك الوزارة . فسألته وكيف سيكون ذلك ؟ قال : سأحضر إفطار رمضان اليوم مع الرئيس مبارك وخلال ذلك سأناقش الموضوع معه , وغدا يمكن أن نلتقي وستعرف كل التفاصيل .
انتهى حديثي معه على أساس أن نلتقي في اليوم التالي وأعددت نفسي لزيارته ولكن اتصل بي أحد الضباط وأبلغني أن الدكتور فؤاد توفاه الله بمجرد أن دخل مكتبه بمجلس الوزراء اليوم .



