آراء ومقالات

كن كيَس فَطِن

 

بقلم: هدير القصاص

من السهل علي كل إنسان حب من يحبه ويتدودد إليه، وحب من يقربه، ويسهل العطاء إذا كان مقابله أخذ، ولكن الصعب جدا أن تعطى وتحب من هو عدوك وبدون مقابل ويكاد يكون هذا ضرب من ضروب الجنون وكان لا يخطر لي ببال حتي وقع تحت عيني جملة من إنجيل متى ويقول:
“سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ.” (مت 5: 43).وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ،” (مت 5: 44)
فتوقفت امام الآيتين الذين كانوا علي لسان المسيح الذي أرسل برسالة التسامح والحب متعجبة متأملة ما معني هذا؟ وأتي في خيالي أعدائى عدو تلو الآخر وخاصاُ الذين كان بينى وبينهم ود من قبل ومن بعدهم من بنوا عداء لا أعلم سببه حتي الآن.
وتخيلت أنني أعطى ألد أعدائي وردة، ومن يصفعني وجهي الآخر كي يصفعه مثلما فعل المسيح عليه السلام.
ومع تجربة هذه التجربة الصعبة المدمية للقلب المدمعة للعين الجارحة للمشاعر والكرامة. وبعدها شاهدت فيديو للممثلة أمريكية لا أتذكر أسمها، وكانت تجري تجربة لاختبار النفس البشرية، فجلست على كرسي وبجانبها طاولة بها أشياء تدل على السلام مثل الورد والطعام وأشياء تدل على العداء مثل أدوات تعذيب وأسلحة، ومكثت لا تفعل أى رد فعل وكأنها صنم، وكانت البداية جيدة وكانوا يعطونها الأشياء السلمية وعندما ادركوا انها لن تفعل اى رد فعل اعتدوا عليها حتي أن أحدهم أمسك المسدس وانهت الممثلة التجربة وظلت تعاني من أثار سلبية بعدها.
وعندما اقرا القرآن وآني آيات القصاص فقال الله في سورة المائدة: “وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)” واتوقف أمامها أرى أن القصاص واجب علينا ولكن الله وضع فى نفس الآيه أن التصدق بها أى العفو عن المعتدى بمثابة كفارة له عن سيئاته.
وهنا السؤال: هل نعفو دون أى مقابل أم نقتص؟
متي نتسامح ومتي لا؟
وتوصلت إلي أن الإجابة في: “العفو عند المقدرة”
هذا هو التوازن الحقيقي فلا يستخف بك معتدي فيعتدي عليك ويشعر أنه شيء طبيعي، ويجب أن يجد له رادع قوي، وعندما تصل إلي هذه المرحلة من أخذ الحق تراجع. مثل ما حدث في الفيلم الهندي “موهنجو دارو” عندما كان يحارب البطل أثنين من العمالقة وكان يريد الدفاع عن نفسه فقتل الأول وعندما كان سيقتل الآخر وكان السكين علي رقبته، نزعها لأنه كان قادر على قتله وعفى عنه.
العفو والتسامح يلزمان الإصلاح. وكما قال الله تعالي في سورة الشورى: “وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)” ولذلك عليك العفو والصفح والتسامح وأن تتخلق بهذه الأخلاق السامية ولكن بشرط الإصلاح. فإذا كنت تتعامل بالقصاص فقط فستتحول لمنتقم جبار وهنا نسألك: متي سينتهي هذا القصاص؟ وإذا كنت تتعامل بالسماح على إطلاقه فسيكون مصيرك العذاب النفسي الدائم وستتحول إلي ضحية مجني عليه وسوف يتكالب عليك الناس حتي يمارسون الشر الكامن بداخلهم عليك.
فكن كيس فطن قوي متين ذو شخصية سوية يحبه الناس ويهابونه.

مقالات ذات صلة
زر الذهاب إلى الأعلى