

بقلم: هدير القصاص
فكرت كثيراً كيف أشرع في كتابة هذا الموضوع، لأنني أكتشفت أن كل ذى علم متواضع وكل ذى مال فقط متكبر، فصاحب العلم مهما أخذ من شهادات وطلبه العالم كله للاستفادة من علمه يعلم قيمة كل كلمة يقولها ومدى تأثيرها وأبعادها ويخشى على طلاب هذا المجال من الوقوع في الأخطاء فيتناقش معهم بصدر رحب ويعطيهم الأجوبة الكافية الشافية ويوضحهم بأمثلة عدة. فقد تعرفت على أساتذة حاصلين على شهادات الدكتوراه وأحيانا يكون الدكتور الواحد حاصل على عدة شهادات دكتوراه. وحسبت أن أستاذتى في الجامعة الأمريكية هكذا لأن هذه هي سياسة الجامعة وكنت لا أشعر أن الأستاذ يفعل ذلك رغماً عنه ولكن كنت أشعر دوماً أنه يحب مادته ويحب تعليمها باستفاضة، وتعلمت على ايديهم الشجاعة حتي لا أخشي السؤال من الأستاذة الكبار.
وأحكي هذا لأنني تعرضت لموقف كنت أكاد أموت خجلا بعده، فقد ألتحقت بمنحة ترجمة يعدها الأستاذ الدكتور أمير بسيونى، وهى من أعظم المحاضرات التي حضرتها فى حياتى والتي لا تقل شأناً عن تلك التي أحصل عليها من خلال الجامعة الأمريكية، وخلال محاضرة تتحدث عن الترجمة الدينية والقرآنية وبعد إنتهاء الدكتور المحاضر محمد عبد المعز فطلب من أحد الحاضرين أن يجاوب على سؤال وفي بداية إجابته أوضح فكرة معارضة مع تعليل ما قاله وأعطى تنويه عن مقالة كتبها فى شأن هذا الحديث أو الإشكالية، وسألت نفسى من هذا الذي يعارضه ولكن أخذت أفكر فى إجابته، وبعد السماح للحاضرين بالأسئلة رفعت يدي بالطبع ووجهت سؤال يعارض الإجابة فأجابنى، وبعدها علقت ولم أشعر بأنه أجابنى مرة أخري في خانة المحادثات، وانتهت المحاضرة وشرعت فى كتابتها كالمعتاد عني ومن الأشياء التي أفعلها دوما أنه عندما يشير دكتور إلى شيء أو كتاب أو مصدر أنظر إليه، فكتبت أسم المقالة التى أشار إليها لأجد الصاعقة الكبرى أن الأستاذ الدكتور محمد فوزى الغازى بنفسه هو من كان يناقشنى وهو علم من أعلام الترجمة وأنا أقرأ وأقول “يالهوى” وهي كلمتى المشهورة عني وأقول “ماشاء الله تبارك الله” وشعرت أنني قد وقعت فى الوحل حتي أرسلت لي تلميذته الأستاذة منار إبراهيم أن الدكتور محمد معجب بشجاعتى وكان يريد تكملة التعليق بخوف شديد علىّ وشجعتنى أن أرسل له وبالفعل وعندما أجابنى وجدت إنسان بمعنى الكلمة ثري العلم يريد أن يعلمني وشعرت بلوعته وحبه للعلم والتدريس وكان يريد نصحى وتحدثتنا وأنهينا المكالمة الثرية التي كتبت بعضها لأنه قال لى درر أحسبها في ميزان حسناته ولكن كان عقلى مشغولاً جداً بفكرة كيف لإنسان عظيم مثله أن يهتم بعقليتى وأنا بجانبه لا شيء. ولكن أكتشفت الآتي أن العلم كالبحر والعالم مثل السفينة الكبيرة وكل المحيطين بهذه السفينة العظيمة ينظر لها وكأنها تعرف البحر كله ولكن لا أحد غير السفينة يعلم أنها مجرد سفينة على البحر ولكنها تعلمت الصمود ضد الرياح والأمواج وتحاول أن تساعد السفن الأخري وتحاول مساعدة الغرقى بالذات في هذا البحر الواسع فتعلمهم السباحة أولاً وكيف كل غريق أن يصنع سفينته التي يقودها في هذا البحر. فيشعر العالم أنه لم يجمع كل هذا العلم الواسع وينظر له الطالب بأنه شخص عظيم وكبير جداً لا يستطيع مجاراته ولا يصح مناقشته في حين أن العالم يريد من يناقشه من هؤلاء الأصغر علما مثل الأب الذي يريد أن يعطى أولاده خبرة الحياة على طبق من ذهب ويريد هذا الأب أن يفتخر بأولاده ويقول أن هذا ابنى وهذه ابنتى وكذلك يفتخر العالم أنه تعلم على يد عالم آخر.
وجاء في خاطري أيضا ترسيخاً لفكرة أن المتكبر بماله لا شيء فأنا لا استمع للغني بماله فقط ولا أحب أن أتحدث معه ولا أفرح لرؤيته حتي بتعليق صغير على منشوراتي ولكن أفرح جم الفرح بالعلماء والأستاذة الكبار. وأشكرهم من قلبي لأنني ذلك الغريق الذي يحاول تعلم السباحة في بحر العلم.






