

حكاية
تقديس “رغيف عيش” المصريين
بقلم: دكتور محمود عطية
ربما يكون المصريون من أكثر شعوب العالم استهلاكًا “للعيش” .. فهناك تقديرات نشرت منذ فترة كبيرة تؤكد أن المصريين يستهلكون يومياً 210 ملايين رغيف –أظن أن النسبة زادت كثيرًا-
ويعد الخبز غذاءً يوميًّا لدى المصري كما كان الغذاء الرئيسي في مصر الفرعونية..والخبز هو حامل الطعام للأفواه..ومائدة بلا خبز تعنى أن الطعام لن يصل لفم المصريين.. ولذلك ينزعج المصريون حين يتم تحريك سعر الخبز أو يتاجر فيه البعض ،ومن أجل ذلك لجأت الحكومة المصرية منذ فترة إلى إدخاله ضمن مقررات التموين حتى لا يتلاعب فيه تجار المخابز.
والمخيلة المصرية ربطت بين “رغيف الخبز” والحياة فأطلقوا عليه اسم “عيش”.. ومن يبحث عن عمل من المصريين يقول مرددًا بدور على “لقمة عيش”
.. وحين يرتضى بأى عمل يردد “أهو كله أكل عيش” وربما يغمغم متصعبا “أكل العيش مر”.. فربطت الذهنية المصرية بين العيش أى الخبز والاستمرار فى الحياة!
ولم يأت الربط بين الخبز والحياة إلا بعد تاريخ طويل مع الخبز فى الحياة المصرية.. فيقال أن المصري عرف الخبز منذ العصر الفرعوني أى منذ حوالي 7 آلاف عام،
وفى أدبيات شكوى “الفلاح الفصيح” تجده يردد حكمة بالغة الأهمية مازالت مهمة لدى المصريين فيردد مذكراً بما يحتاجه إليه “إن ما يحفظ أودك في بيتك قدح من الجعة وثلاثة أرغفة من الخبز”.
ومن وصايا الحكيم المصرى القديم آني الذى عاصر الملك (توت عنخ آمون) حوالى 3300 عام يقول لتلميذه “خونسو حتب” كما هو مدون فى بردية بلاق : (قرب الماء لأبيك وأمك ولا تنس أن تؤدي ذلك حتي يعمل لك ابنك بالمثل ، ضاعف الخبز لأمك وأحملها إن استطعت كما حملتك)..وعند العامة فى وقتنا الحالى نسمع من يردد “مادام فى عيش مش مهم الغموس”.
.وحين يريد المصرى إظهار شدة حاجته يردد ” البيت ما فيهوش ولا رغيف عيش”..!
وكان لدى الفراعنة أكثر من 100 نوع من الخبز أما تقديرات أنواعه فتقدر بحوالي 150 نوعًا ولا تزال بعض الأنواع متداولة منذ أيام الفراعنة حتى الآن ومعروفة باسمها الفرعوني مثل “البتاو”
(مشتقة من كلمة سبات” باللغة المصرية القديمة) وكان يصنع من القمح والسمنة واللبن والذرة. وهناك “الميفا” وهو نوع من الخبز مازال منتشرًا عند البدو وتوجد أنواع أخرى شهيرة مثل “المرحرح” و”الشمسي” و”البطاطي”.
وفضل المصرى القديم تناول الطعام بيديه، رغم ابتكاره الملاعق، حيث تظهر الرسومات تناول الملك إخناتون للطعام مع أسرته بيديه، كما تظهر البرديات والنقوش الكثير من الحكم التي تدعو للاقتصار في تناول الأرغفة وعدم الجشع،
ومحاربة شهوات البطن، حيث نصح خيتي بن داووف ابنه قائلاً “كن قنوعًا بطعامك.. إذا كان يكفيك ثلاثة أرغفة وشرب قدحين من الجعة.. فإذا لم يكن بطنك قد اكتفي فحاربه”.
وقد تم تقديس الخبز فى مصر القديمة ورفعه منزله عليا ولم يكن يسمح بإلقاء الخبز في عرض الطريق أو أن تدوسه الأقدام وحتى يومنا هذا نرى من يلتقط كسرة خبز ملقاة فى الطريق ليضعها بجانب الحائط حتى لا تطأها الأقدام.
وفى بردية “هاريس” نجد أن الخبز كان من أهم القرابين المقدمة في عهد الملك رمسيس.. وكان من الطبيعي أن يضع المصري فى قبر المتوفى خبزًا وملحًا.. وظل الخبز محتفظا بقدسيته حتى العصر القبطي فكانت تقدم القرابين في الكنيسة عبارة عن أفضل قطعة من الخبز وتسمى “قربان الحمل”.
وكان يُقدم للمعبودات طعامًا عبارة عن الخبز المثلَّث الشكل؛ ففي نصوص الأهرام: “لقد أتى أمام تاسوع السماء ليسعد بخبزه”… وتقديم الخبز يوميًّا كان من ضمن طقوس الخدمة اليوميَّة بالمعبد؛ حيث كان يُقدِّمه الكهنة القائمون على الخدمة في المعابد إلى تمثال المعبود الموجود داخل ناووسه في قدس الأقداس،
وكان البشر يُشاركون طعام المعبودات؛ حيث كان الكهنة يقومون بدور الوسيط فقد كانوا يُقدِّمون يوميًّا قرابين الطعام والشراب
ويظل الخبز دائما أحد أهم علامات المائدة المصرية وحامل الطعام..ويشكل لهم انزعاجا حين يختفي أو يرتفع سعره..وعلاقته بهم مازالت طويلة وممتدة.
للاستزادة فى نفس الموضوع :
• الخبز فى مصر القديمة إيمان من المهدى الهيئة العامة المصرية للكتاب

