

حكايات من دفتر النصر
بقلم: اللواء سعد عبد الهادي
في يوم 1 يناير 1973، جت عربية تاخدنا من القصاصين، ومشيت بينا في طريق المعاهدة بورسعيد، و داخلنا الإسماعيلية، مدينة مهجورة، القنطرة مهجورة، على اليمين العالم الإسرائيلي بيرفرف على سيناء .
وصلنا إلى بورسعيد، وكان في استقبالنا المقدم عبد الوهاب بهلول، الله يرحمه، قائد الكتيبة 203 صاعقة، وقال لنا بالليل مش هنقدر نتحرك، نروح موقع الكتيبة، هتناموا في المؤخرة. نمنا في مدرسة، في أول حي المناخ ببورسعيد، وتاني يوم ذهبنا الي الكتيبة 203 صاعقة، في منطقة اسمها الغسولة وهي قرية صيادين، على طريق بورسعيد دمياط، لولدي
وصلنا الي موقع الكتيبة فوجئنا بالمنظر يعني مش ده اللي اتعلمناه في الكلية الحربية، ده حاجة جديدة خالص، كأننا أطباء اتعلمنا في الكلية طب حاجة، ولما روحنا المستشفيات وشوفنا المرضى، بنشوف حاجة تانية. أنا شفت المواقع، وشفت المنظر اللي موجود، لا. الجنود دول لازم في يوم من الأيام ينتصروا، لأن احنا عايشين أسوأ عيشة ممكن أن يتخيلها بشر. الرمل منتشر بالمنطقة، هدير البحر شديد جدا، احنا على شاطئ طريق، بورسعيد دمياط، وفرحانين لسه بشبابنا، وإن احنا اتخرجنا ضباط،
لكن بدأت الحياة العملية، وكانت أول حاجة في الحياة العملية، إن احنا نتوزع على السرايا، وفعلا تم توزيعنا على السرايا، وبدأت الشؤون الإدارية تجهز لنا مكان ننام فيه، ويصرفوا لنا بطاطين، عشان الجو برد جدا جدا. وفي وسط الدوشة اللي احنا فيها دي، لقينا ظابط يعني أنا بعتبره أبو الشهامة، وأبو الرجولة والمجدعة، اسمه أحمد فايز، الملازم أول أحمد فايز، جه وراح أخدنا احنا الأربع ضباط، أنا، والشهيد سمير الزيات، والملازم علي كشك، والملازم رفعت مرشد، ، واعتبرنا أخواته الصغيرين، وبدأنا نسمع منه حاجات احنا ما درسناهاش في الكلية.
مثلا سمعنا عن عهدة الموقع، إيه عهدة الموقع دي؟ قال لنا عهدة الموقع هي الفار النرويجي. أنا أول مرة أسمع الفار النرويجي ده؟ قال لي لا، ده فار أكبر من القطة، والقطة بتخاف منه، وده منتشر في الموقع بالكامل، أي موقع بنروحه بنلاقي فيه الفئران النرويجي. فأدي أول حاجة عرفناها من أحمد فايز، الفئران النرويجي، وبعد كده قال لا أصل إحنا دلوقتي عايزين نعمل لكم مكان تناموا فيه، وهتناموا في ملاجئ بنسميها قفص القرود. إيه قفص القرود ده؟ ففعلا لقينا إن احنا بننام في حاجة كده معمولة زي القفص الحديد،
وكانت المشكلة انها يجب ان تبقى مساوية بالأرض، لكن على البحر، كان صعب جدا إن احنا ننزل متر ونصف تحت الأرض، لأن بعد 70 سم بالظبط، بتطلع مية، فكانت المواقع، جزء منها تحت الأرض، 60 سم، 70 سم بالكثير، والباقي كله فوق الأرض ومحطوط عليه شكاير الرمل، عشان تحمينا من ضربات المدفعية والطيران، فبدأنا نشوف قفص القرد،
وبعدين قال لنا مصطلح تاني في حاجة اسمها جحر أول ما الإسرائيلين وصلوا، للضفة الشرقية للقناة، وكنا إحنا في الضفة الغربية، فكانا الجنود والظباط المصريين، بيحفروا حفرةمثل الانبوب، تحت خط سكة الحديد بورسعيد السويس، عشان ينام فيه بعيد عن نظر اليهود، ويتحمل لغاية لما بدأنا نجهز خطوط دفاعات بعد كدة، وحكانا حكاية لذيذة جداً، عن شرب السجاير، أيام حرب الاستنزاف، وأنا الحقيقة، ببص لها كدة أيام حرب الاستنزاف،
كان القناص الإسرائيلي، والقناص المصري برضه بالليل، يترصد إن حد يكون مولع سيجارة، ليه بقى السيجارة؟ لأن السيجارة، لما الواحد بياخد منها نفس، اللهب بتاعها بيزداد، فهو القناص كدة متأكد، ما دام اللهب إزداد، إن السيجارة في فم الهدف، فيصوب على اللهب وهج السيجارة،
ويضرب تصيب رأس الهدف مباشرة. فالناس اللي بتشرب سجاير المصريين، والمصري مبيغلبش ، عملوا إيه؟ بدأ هو عايز سيجارة لانه سهران طوال الليل، وفي نفس الوقت، مش عايز يموت، فكان بيجيب السيجارة يولعها في حفرة، وبعد كدة يجيب الماسورة بتاعة البندقية، يحط فيها السيجارة، وهي تحت في الحفرة، وبعد يمسك الماسورة البندقية، وهو فاتح الأجزاء يعني، الماسورة مفتوحة من جهتين، والسيجارة جوه الماسورة، ويشرب السيجارة، ودي كانت من أعجب الحاجات، اللي شوفتها في شرب السجاير. بعد كدة أحمد فاي، بدأ يعرفنا، إحنا هنعمل إيه في الكتيبة، يعني إيه نبطشيات، المرور بالليل، يعني إيه هنطلع نعمل دوريات تأمين ضد عمليات إنزال، لليهود على الساحل، للإسرائيليين، يعني طابور اللياقة الصبح هنعمل إيه؟ بدأ يتبنانا، ويفهمنا بالضبط، إيه اللي ممكن هنعمله، وبدأ ينقلنا من ملفات، وكراسات، وكشاكيل الكلية الحربية، إلى الحياة العملية، في الكتيبة 203 صاعقة،
وتاني يوم الصبح، لبس معانا لبس الرياضة، ونزل عشان يطلع معانا طابور لياقة، وده كانت من المناظر اللي، عمري ما هنساه، والمناظر كانت تضحك، طبعاً أحمد فايز طويل جداً، طوله، حوالي، 195 سم، ظابط صاعقة محترم يعني، فطلع معانا طابور لياقة، إحنا لسه طالعين من الكلية الحربية، لياقتنا البدنية 100%، هو بيشرب سجاير، وكان ريح شوية، فيادوبك هو إيه، مشي معانا نص طابور لياقة، وقال لنا يا شباب أنتم كملوا أنتم، وراح راجع للكتيبة.
دى كانت بداية التواجد في الكتيبة 203 صاعقة، وكانت عمري ما هنسى الإرشادات، اللي إداهالنا أحمد فايز، وبقيت ظباط الكتيبة بالكامل، لكن اللي كان قريب مننا جداً، بشهامته ومجدعته، سيادة اللواء حالياً أحمد فايز، ربنا يديله الصحة.»




