

بقلم : شيماء عادل
الصراع بين سمو الهدف وإنحطاط الوصول
انتشر في الآونة الأخيرة ذلك “التريند” عن مسلسل يحمل قصة سفاح نساء مصرى والذي لفت نظرى إلتفاف الجميع حوله رغم غرائبية الفكرة وبشاعتها ولكن هكذا المجتمعات حين يصيب افرادها الإحباط
لست هنا من أجل النقد السياسي أو الفنى حتى ولكن العجيب أن فكرة قتل النساء مسيطرة على الأعمال الفنية منذ زمن وتم تناولها بكل أشكالها سواء الرعب او التراجيدى أو حتى الكوميدى منها
لذلك سأعرض لكم تلك الرائعة الكلاسيكية للكاتب الألمانى باتريك زوسكيند “العطر .. قصة قاتل” التى صدرت عام ١٩٨٥ عن دار نشر سويسرية وتمت ترجمتها إلى حوالى ٤٨ لغة وتصدرت قائمة الأكثر مبيعا لمده تقترب من التسع سنوات
تدور أحداث الرواية في القرن ال١٨ في باريس وظلامها قبل أن تصبح مدينه النور وتحكى قصة “غرونوى” ذلك الطفل المولود وسط عطن السمك وعفن الأرض والذي يمتلك حاسة شم استثنائية جعلته يدرك رائحه كل شيء ولكنه أدرك أيضآ أنه بلارائحة
هكذا وُلد وهكذا عاش .. غير ملحوظ وغير مرئى ومنبوذ، يسير بين الناس كالشبح بلا أهمية وبلا رائحه بل وينفر منه الناس ويحاولون قتله لإرتيابهم فيه
فى سوق السمك
تبدأ القصة بتخلى والدته عنه في سوق السمك حتى يمسك بها المارة ويتم اعدامها ثم يتم تبنيه من سيدة ولكنها سرعان ما ترتاب لعدم وجود رائحة له فيذهب للتبنى مرة أخرى وهكذا حتى يتم ايداعه في دار للأيتام وهناك ايضا يحاولون قتله في أول لياليه
يعمل”غرونوى” وهو في التاسعه في مدبغة عفنة والتى رغم صرامة صاحبها وتعامله الفظ إلا أنها كانت سببا في تعلم “غرونوى” غالبيه روائح باريس فكانت بالنسبة له كالكنز حتى صادف أول ضحيه له والتى اثارت رائحتها اهتمامه فما كان منه الا أن قام بخنقها وارتشاف أخر ذرة من رائحتها قبل الموت ومن هنا قرر أن هدفه في الحياه هو أن يصبح أعظم عطار في العالم
يلتقي “غرونوى” بالعطار “بالدينى” والذي تبادل معه المعرفه استغلالا لموهبة “غرونوى” الفذه من أجل إستعادة مجده الضائع وهكذا بدأ “غرونوى” في تعلم تقنيات التقطير وإستخلاص الروائح
بعدها ينتقل إلى معطرة السيدة “أرنولفى” هادفا إلى صنع عطر يحمل رائحه بشرية وفي سبيل ذلك قام بقتل ٢٤ فتاه من أجمل فتيات المدينة العذارى ولكن يفتضح أمره ويحكم عليه بالإعدام شنقا في ساحه المدينة وفي لحظة الإعدام يقوم “غرونوى” بنثر العطر على نفسه فنجد جميع من في الساحه يغرقون في مجون وعربدة هيستيرية ويصير “غرونوى” بريئا في أعين المدينة لدرجه أن أحدهم سوف يتبناه
بعدها يتجه إلى مسقط رأسه ويرش العطر على نفسه مرة أخرى فيتحول في أعين المدينة -والتى غالبيتها من الشحاذين والعاهرات والسكارى- إلى ملاك فيبدأون في نهش جسده حتى لا يعود له وجود
تم انتاج الفيلم المقتبس من الرواية عام ٢٠٠٦ بطولة “بن ويشا” “الان ريكمان” ومن إخراج “توم تايكور” والذي أبدع في إخراج تلك التحفة الفنية التى تعطيك مزيجا بين الإحساس بالشفقة والتقزز حيث أن الإعتماد الرئيسي كان على المؤثرات البصرية ولغة الجسد
يُذكر أيضا أنه لا توجد إختلافات جوهرية بين الرواية والفيلم سوى أن “غرونوى” ظهر كشخص قبيح المظهر في الرواية وهذا ما لم يتم الأخذ به في الفيلم .. فيما عدا ذلك فقد اختلفوا في طريقه الإعدامات او موت بعض الشخصيات لا أكثر
أعماق النفس البشرية
وسواء كنت ممن قرأ الرواية أولا أو شاهد الفيلم فإنك ستدرك أن الجوهر هو الغوص في عمق النفس البشرية وذلك الصراع الأبدى بين الغاية والوسيلة واستعراض الضعف والإحتياج البشري للملاحظة والإهتمام
أيضا أجد إنه من المثير أن يتحدث عمل فنى عن جوهرية حاسه الشم في الإدراك الإنساني حيث إن الإعتماد الأكبر حازت عليه حواس أخرى كالبصر طبعا والسمع أو حتى اللمس ولكن نادرا ما يتحدث أحدهم عن حاسة الأغواء الأول
ننسى في زحام التعبير عن ذواتنا ارتباط ذكرياتنا الوثيق بالروائح وكيف أن رائحه عابره قادرة على إسترجاع ذكريات لاحصر لها كنا نظنها في طىّ النسيان وهنا أحب أن أرشح لكم أيضا كتاب “الرائحة..أبجدية الإغواء الغامضة”
وفي النهاية تأكد أنك أمام رائعه ألمانية بكل المقاييس وإن كان الفيلم لا يناسب ذوى القلوب الضعيفة ,
قراءة سعيدة ومشاهدة ممتعة.








