

بقلم د. محمود عطية
غمس الجنود سيوفهم في دم الملك وهم يهتفون “تحيا الجمهورية الفرنسية”
تعالت صيحات الثوار فى فرنسا عام 1792 مطالبين بإعدام الملك لويس السادس عشر دون محاكمة وأصروا على ذلك فلا وقت للمحاكمة ..فهم يريدون إنهاء عصر الملكية سريعا وبتر كل الأسرة المالكة التي أذقت الشعب كل صنوف العذاب.
بينما مازال مشهد تولى الشاب لويس السادس عشر الحكم فى فرنسا ماثلا أمام عينيه حيث قوبل من جموع الشعب بسعادة بالغة وتنفسوا الصعداء حين انتهى حكم لويس الخامس الخامس عشر..فقد كانت الأوضاع الاقتصادية متردية تماما والصناعة فى تأخر..وأمل الشعب فى الملك الجديد ان يدير الأوضاع بشكل أفضل ويعالج المشاكل الاقتصادية..لكن سرعان ما خاب أمل الشعب فبدا الملك الصغير صاحب العشرون عاما ضعيفا قليل الخبرة سوى فى الفجور وقلة الحيلة.
وصارت زوجته مارى انطونيت لها الكلمة العليا والمؤثرة فى الحكم والمتدخلة فى شئون البلاد والعباد..وانساق لها الملك انسياقا تاما ..وهى التي قد أشارت عليه بنبذ زعماء الجمعية الشرعية وبأهمية الاتصال بملوك أوربا للاستعانة بهم وقت الشدائٍد.
واستمر الملك وزوجته بعيدين عن تحقيق اى إصلاحات للشعب ولحالته الاقتصادية المتردية ولعدم العدالة وسجن الثوار المطالبين بحقوق الرعية حتى طالت الثورة سجن الباستيل.. وحين اشتد غضب الشعب ولاحت فى الأفق ثورة عارمة..حاولت أسرة الملك هرب لكنه المحاولة فشلت وتم القبض عليهم واقتيادهم للسجن فى عام 1792.. وطالب الثوار بإعدام الملك دون محاكمة ولا انتظار .
لكن العقلاء من الجمهوريين طالبوا باحترام الدستور والقانون وأهمية إجراء محاكمة عادلة للملك ولأسرته..وتليت عليه لائحة الاتهامات.. وتضمنت رفض الملك التصديق على وثيقة حقوق الإنسان وعلى الدستور كما اتهم بالتآمر لإحباط الثورة والتنكيل برجالها وانه تقاعس عن أداء مهامه وما عاهد الأمة عليه كما حاول الاستعانة بجيوش أجنبية كما عمل على إراقة دم الشعب.
وقد أنكر الملك لويس السادس عشر كل التهم الموجه إليه ..واجتمع المؤتمر الوطني لبدء المحاكمة ..ووسط المحاكمة بدأ صياح المطالبين بإعدامه واتهامه بالخيانة العظمى وأخذت تعلو أصوات المؤيدين بإعدامه.. وغلب الرأي بإعدامه.. وأعلن رئيس المؤتمر الحكم ..” باسم الشعب الفرنسي بعلن المؤتمر الوطني ان لويس السادس عشر كأبيه مذنب ,وأدين بخيانة حرية الأمة ,والاعتداء على السلامة العامة للدولة “
وطالب البعض ان ينفذ الحكم خلال أربع وعشرين ساعة بينما طالب البعض بفتح باب المناقشة فى وقت التنفيذ وتوسط ملك أسبانيا إلا أن وساطته قوبلت باستهجان الجميع..وقدم محاميه خطابا من الملك يؤكد براءته ويطلب الاحتكام للأمة ورفض الطلب وكذلك رفض السماح له باستئناف الحكم.
وفى 20 يناير اقتيد لويس الساس عشر إلى المركبة التي أعدت لحمله إلى المقصلة وجلس القس بجواره بينما كانت أصوات الطبول والضوضاء فى الخارج..ووصل الى المقصلة بميدان الثورة وسط حراسة مشددة واستسلم لتوثيق يديه وقدميه للجلادين بعد محاولته المقاومة وهو يقول:” أننى أموت بريئا من كل ما نسب إلى”
ثم تحول الملك للجلاد قائلا: افعل ما تشاء . وهوى النصل على عنقه.. وانبعث من الملك صيحة مروعة ..ورفع الجلاد الرأس الهاوى من شعره ليعرضه على الشعب..وغمس بعض الجنود سيوفهم فى الدم المراق وهم يهتفون “تحيا الجمهورية الفرنسية”
لكن صدر فى عام 2005 كتاب عن لويس السادس عشر للباحثة الفرنسى جان كيستيان يصحح الصورة المرسومة عبر كتب التاريخ عن الملك فيذكر ان كل هذ الصورة السائدة عن لويس السادس عشر، آخر ملوك فرنسا، ليست صحيحة على الإطلاق. بل على العكس لقد كان شخصاً مثقفاً وذكياً، وكان يهتم بالعلم بالمعنى الطبيعي والفيزيائي للكلمة. كما كان مولعاً بسلاح البحرية والأساطيل الفرنسية بالإضافة إلى الاكتشافات العلمية..يضاف إلى ذلك انه لعب دوراً كبيراً في تحديد السياسة الخارجية لفرنسا ورسم خطوطها العريضة.
وقد لعب دوراً حاسماً في الانتصار على انجلترا ونيل الولايات المتحدة لاستقلالها بعد معاركها الضارية مع الانجليز، وكل ذلك بمساعدة الفرنسيين ومهارة لويس السادس عشر في إدارة دفة العمليات السياسية والعسكرية والدبلوماسية. ففرنسا هي التي ساعدت أميركا على نيل استقلالها نكاية بالإنجليز أعدائها التاريخيين.

